
“اتفاق واشنطن” عجز النفاذ وعطب التكوين, بين الهرم القانوني والميثاقية: لماذا لا يصمد داخلياً؟
علي فضة |
في أنّ اتفاق واشنطن 2026 لا يَصمد قانونًا ولا يستقرّ ميثاقًا، وأنّ صانعيه أعجزُ من أن يُنفّذوه وأقدرُ على أن يكون ذريعة لتفجير الداخل …
تمهيد: حين يكون التوقيعُ فعلًا وإعلانًا في آنٍ.
في السادس والعشرين من حزيران 2026 وُقّع في واشنطن اتفاقُ إطارٍ ثلاثيٍّ بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، قُدّم في خطاب راعيه بوصفه «خطوةً أولى» على طريق استعادة السيادة. ومنذ اللحظة الأولى انقسم اللبنانيون لا حول جدوى الاتفاق ولا حول عدالة بنوده، بل حول ما هو أعمق: هل وُلد هذا النصّ شرعيًّا أصلًا؟ وهذا الانقسام، في موقعه ومستواه، هو أوّل ما يستحقّ التأمّل، لأنّه يكشف أنّ المسألة ليست سياسيةً عابرة بل دستورية مؤسِّسة.
تنطلق هذه المقالة من فرضيةٍ, تتفرّع منها كلّ فقراتها: أنّ اتفاق واشنطن يحمل في تكوينه عطلًا بنيويًّا مزدوجًا يجعله عاجزًا عن النفاذ قانونًا وعاجزًا عن الاستقرار ميثاقًا، وأنّ السلطة، إذ تُدرك هذا العجز، تلجأ إلى استراتيجية «التأجيل المُدار» لإبقائه في منطقةٍ رمادية تتفادى بها فضحه في المؤسسات؛ غير أنّ هذا التأجيل نفسه — لا الاتفاق في ذاته — هو ما يحوّل النصّ من مشروع حلٍّ خارجيٍّ إلى فتيلٍ داخليّ. سنتعقّب هذا العطب في مساراته الثلاثة المتشابكة — القانونيّ، فالدستوريّ، فالميثاقيّ — ثمّ نَعبر منها إلى المستوى السياسيّ عبر مرآةٍ تاريخية صريحة هي اتفاق 17 أيار 1983، لنخلص إلى أنّ ما يبدو عجزًا إجرائيًّا هو في حقيقته وصفةٌ للانفجار. لذا نحن نكشف الأسباب لتفادي ما هو خلف الأبواب
أولًا: المسار القانونيّ — لماذا لا يَنفُذ الاتفاق داخليًّا
يقوم النظام القانونيّ في أيّ دولةٍ منظَّمة على تدرّجٍ هرميٍّ صارمٍ بين قواعده: الدستورُ في القمّة، ثمّ القانون، ثمّ المرسوم، ثمّ القرار الإداريّ، ولكلّ مرتبةٍ حُرمتها التي تمنع ما دونها من مخالفتها. فلا يستطيع المرسومُ أن يُعطّل قانونًا، ولا القرارُ الإداريّ أن يُخالف مرسومًا. ويُكمّل هذا التدرّجَ مبدأٌ ثانٍ لا يقلّ صرامةً هو مبدأ توازي الصِّيَغ: القاعدةُ لا تُلغى ولا تُعدَّل إلا بأداةٍ من رتبتها ومن السلطة ذاتها التي أصدرتها. ومقتضى هذين المبدأين معًا أنّ القانون لا يُلغيه إلا قانونٌ صادرٌ عن المرجع الذي يملك التشريع، وهو في لبنان مجلس النواب وحده.
وهنا يقع المعطى الأوّل الذي لا مهرب منه: قانونُ مقاطعة إسرائيل الصادر في الثالث والعشرين من حزيران 1955 الذي ما زال نافذًا، وهو يحظر في مادّته الأولى على كلّ شخصٍ طبيعيٍّ أو معنويٍّ أن يعقد، مباشرةً أو بالواسطة، أيّ اتفاقٍ أو تعاملٍ مع إسرائيل أو مع من يعمل لحسابها، ويُقرِن المخالفة بعقوباتٍ جزائية [1]. ولأنّه قانونٌ نافذ، فإنّ إزاحته من طريق أيّ تطبيعٍ أو تنفيذٍ لمضمونٍ يتعارض معه لا تكون إلا بقانونٍ يُعدّله أو يُلغيه. ولا يملك مرسومٌ ولا قرارٌ تنفيذيٌّ ولا اتفاقٌ لم يكتمل مساره أن يُعلّق مفعوله. هذه هي الركيزة الصلبة التي تَسند خلاصةً جوهرية: اتفاق واشنطن، أيًّا تكن تسميته، لا يستطيع بذاته أن يُبطل أثر قانون 1955.
وقد يُعترَض على ذلك باعتراضٍ وجيهٍ في ظاهره: ألا تسمو المعاهدة الدولية على القانون العاديّ عند التعارض؟ بلى، فالمادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية تُقرّ هذا السموّ، ومقتضاه أنّ معاهدةً نافذةً تتقدّم على القانون الداخليّ المخالف من دون حاجةٍ إلى تعديله. لكنّ هذا الاعتراض، على صحّته المجرّدة، لا يَطال اتفاق واشنطن بالذات، لسببٍ دقيقٍ يجب الإمساك به جيّدًا: هذا الاتفاق لم يدخل أصلًا رتبة المعاهدة. فالمعاهدة لا تكتسب صفتها — وبالتالي سموّها — إلا باستكمال مسار المادة 52 من الدستور: التفاوضُ والإبرام من السلطة المختصّة، ثمّ إقرارُ مجلس الوزراء، ثمّ موافقةُ مجلس النواب في الحالات التي يفرضها الدستور [2]. وما دام هذا المسار لم يُستكمَل، فالوثيقةُ تبقى في أحسن أحوالها عملًا تنفيذيًّا–سياسيًّا، لا معاهدةً تسمو على القانون. والعملُ التنفيذيّ، بحكم موقعه في الهرم، محكومٌ بألّا يُخالف القانون النافذ فوقه.
وهكذا يلزم التمييز الحاسم بين مستويَي النفاذ. فعلى المستوى الخارجيّ قد يُرتّب الإطار التزامًا سياسيًّا للدولة في مواجهة شركائها، أو يبقى مجرّد إعلان نوايا، بحسب صياغته ومآلاته. أمّا على المستوى الداخليّ — وهو ما يَعنينا — فلا يُنتج أثرًا قانونيًّا يناقض قانونًا قائمًا، لأنّه لم يَعبر العتبة التي وحدها تُزيح القاعدة المعارِضة. ومن ثَمّ فالصياغةُ الأدقّ ليست أنّ الاتفاق «باطلٌ بذاته» — فهذا حُكمٌ متسرّعٌ يتجاوز موضعه — بل أنّه «غير نافذٍ داخليًّا». والفرقُ بين الوصفين جوهريّ: الأوّل يُسقط النصّ نهائيًّا، والثاني يُعلّق نفاذه ريثما يَعبر البوّابة التشريعية أو يَسقط دونها. وهذا التوصيف ينسجم مع بنية النصّ نفسه، فهو غير ذاتيّ التنفيذ، ويُحيل صراحةً إلى «مجموعات عملٍ» لاحقةٍ تتولّى صوغ الاتفاق الشامل؛ أي إنّه لا يدّعي النفاذ من أصله، بل يُقدّم نفسه إطارًا لعمليةٍ مؤجَّلة. وهذا الإقرار الذاتيّ بالتأجيل سيغدو، كما سنرى، مفتاحَ القراءة كلّها. مع التركيز أنه تسميته بهذا الشكل “اتفاق اطاري” بفترات تجريبية ولجان متابعة … الخ, ذلك ليس من فراغ, بل المرجح أنه مقصود ليُتاح له التملص من الدستور ومؤسساته, لكن هذه “الشطارة” اللبنانية تجعله يصطدم بالقانون, ذلك ربطًا بما ذُكر أعلاه.
ثانيًا: المسار الدستوريّ — العطبُ في التكوين لا في الأثر
لو اقتصرنا على قراءة المادة 52 وحدها، منزوعةً من سياقها، لقيل إنّ رئيس الجمهورية هو صاحب صلاحية التفاوض في المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وإنّ في ذلك غطاءً كافيًا لفعل التوقيع. غير أنّ هذه قراءةٌ ناقصةٌ تتجاهل التحوّل الجذريّ الذي أحدثه اتفاق الطائف في بنية السلطة اللبنانية. فالطائف نقل السلطة الإجرائية، بنصّ المادة 17 المعدَّلة، من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وأعاد تعريف موقع الرئيس من حاكمٍ تنفيذيٍّ يمسك بزمام السلطة إلى رئيسٍ يسهر على احترام الدستور ويُمثّل وحدة البلاد [3]. ومقتضى ذلك أنّ التفاوض والإبرام لم يَعودا اختصاصًا رئاسيًّا أصيلًا يُمارَس بإرادةٍ منفردة، بل صلاحيةً موزَّعةً مشروطةً بمصبٍّ جماعيّ هو مجلس الوزراء مجتمعًا. وهذا وحده يَكفي لإسقاط فكرة أنّ رأسَي السلطة التنفيذية يستطيعان احتجاز قرارٍ من هذا الوزن بوصفه شأنًا ثنائيًّا يديرانه.
لكنّ الطائف لم يكتفِ بنقل السلطة إلى الهيئة الجماعية، بل أحاط المواضيع الكبرى بسياجٍ إضافيٍّ من النصاب المشدَّد. فالمادة 65 أدرجت «الحرب والسلم» و«المعاهدات والاتفاقات الدولية» ضمن المسائل الأساسية التي لا يُتّخذ القرار فيها إلا بموافقة ثلثَي أعضاء مجلس الوزراء [4]. وهذا النصاب ليس تفصيلًا حسابيًّا ولا إجراءً شكليًّا، بل هو الترجمةُ المؤسسية لمبدأ العيش المشترك: اشتراطُ الثلثين وُضع تحديدًا ليضمن أنّ القرارات المصيرية لا تُحتكَر بأكثريةٍ عابرةٍ تُقصي مكوّنًا وازنًا، بل تتطلّب حدًّا من التوافق يَستحيل بلوغه بتجاهل أيّ مكوّنٍ أساسيّ. وبهذا يتبيّن أنّ ثمّة في النظام اللبنانيّ تدرّجَين لا تدرّجًا واحدًا: تدرّجٌ معياريٌّ بين القواعد رأيناه في المسار القانونيّ، وتدرّجٌ في صناعة القرار التنفيذيّ ذاته، إذ لا يُولَد قرارُ السلم صحيحًا إلا عبر بوّابة الثلثين.
ومن هذا المنطلق يتحوّل السؤال من النفاذ إلى التكوين. فإن صحّ أنّ الإطار قاربه رأسا السلطة بوصفه شأنًا تفاوضيًّا يديرانه، من دون أن يُعرض على مجلس الوزراء ويُقَرّ بنصاب الثلثين، فالعيبُ عندئذٍ لا يَطال نفاذه الداخليّ وحده، بل يَطال أصل وجوده القانونيّ: قرارٌ من رتبةٍ يفرض الدستور لها هيئةً ونصابًا، إذا اتُّخذ خارج هذه الهيئة أو خارج هذا النصاب، يكون معيبًا في تكوينه لا في أثره فقط. والسؤال الحاسم هنا ليس نظريًّا بل إمبيريقيٌّ حادًّا _ اي تجريبيًا، وعليه يتوقّف كلّ شيء: هل دخل الإطار مجلس الوزراء وأُقِرّ بثلثَي الأعضاء، أم بقي محتجَزًا في مستوى رأسَي السلطة التنفيذية؟ على جواب هذا السؤال، لا على عمومية القول إنّ «الطائف نقل الصلاحيات»، يتقرّر مصير الطعن الدستوريّ. واذا مُرِّرَ بالفعل على مجلس الوزراء, هل المآلات محسومة اذا ما اصطدم بحاجز المكون الرافض … هنا سيجاوب باقي المقال على هذه النقطة ربطًا .
وفوق مجلس الوزراء يقف مجلس النواب، وهو في النظام البرلمانيّ — ومنه اللبنانيّ بعد الطائف — السلطةُ الأقوى، لأنّه الجسم الوحيد المنتخَب مباشرةً من الأمّة، ومنه تستمدّ الحكومةُ ثقتها ووجودها، وهو القادر على حجب الثقة وإسقاطها. وتتفرّع من هذا الموقع ثلاث سلطاتٍ تجعل تجاوزه في ملفٍّ بهذا الوزن عطبًا في الأساس لا في الإجراء. الأولى سلطته التشريعية الحصرية: فهو المالك الوحيد لمفتاح تعديل قانون 1955، ولا يستطيع لا الرئيس ولا مجلس الوزراء انتزاعه منه. والثانية سلطته المنصوص عليها في المادة 52 نفسها: فالمعاهدات التي «لا يجوز فسخها سنةً فسنة» — ومعاهدةُ السلم أو إنهاءِ حالة الحرب من صميمها — لا تُبرَم نهائيًّا إلا بموافقته المسبقة، فهو شريكٌ في الإبرام لا مجرّد جهةٍ تُبلَّغ. والثالثة، وهي الأعمق، سلطته الميثاقية: فبوصفه التمثيل الجامع لكلّ المكوّنات، هو المنبر الذي يتجسّد فيه مبدأ العيش المشترك تجسّدًا مؤسسيًّا، فلا يبقى شعارًا معلَّقًا بل نصابًا ورأيًا مُعبَّرًا عنه في الهيئة العامة.
على أنّ الدقّة تقتضي ضبطًا يَحفظ للحجّة متانتها أمام خصومها: كونُ المجلس «السلطة الأقوى» لا يعني أنّه يملك المبادرة في إدارة العلاقات الخارجية، فالتفاوض والإبرام يبقيان بحكم المادة 52 بيد السلطة الإجرائية. دورُ المجلس ليس أن يفاوض، بل أن يأذن ويصدّق ويراقب ويُسائل. فقوّته ليست في صناعة الاتفاق، بل في أنّه العتبةُ التي لا يكتسب الاتفاق نفاذًا ولا تكتسب الحكومةُ غطاءً لتنفيذه إلا بعبورها. وهذا التمييز يَحرس الحجّة من تعميمٍ يُمسك به الخصم: فالطعن ليس «كان على المجلس أن يفاوض»، بل «لا أحد دونه يملك أن يمنح هذا المسار شرعية النفاذ أو يُزيح القانون الذي يعترضه».
ثالثًا: المسار الميثاقيّ — المكوّن المُستهدَف لا الغائب
هنا يقع جوهر العطب، وهو أعمق من أن يُختزل في خللٍ إجرائيّ. فميثاقُ العيش المشترك ليس شعارًا بلاغيًّا في ديباجة الدستور، بل قاعدةٌ آمرةٌ ذاتُ قيمةٍ دستورية كاملة. فالفقرة (ي) من مقدّمة الدستور تنصّ صراحةً على أنّه «لا شرعية لأيّ سلطةٍ تناقض ميثاق العيش المشترك»، وقد استقرّ الاجتهاد الدستوريّ اللبنانيّ على أنّ مقدّمة الدستور جزءٌ لا يتجزّأ منه، تُلزِم بمثل ما تُلزِم به مواده [5]. ومعنى ذلك أنّ القرار المصيريّ لا يستمدّ شرعيته من أكثريةٍ عددية عابرة، بل من مشاركة المكوّنات الأساسية في صناعته. وحيث يُفلت الإطار من عتبة المادة 52 بحجّة أنّه «وثيقةٌ سياسية»، تبقى الفقرة (ي) قادرةً على مساءلته بوصفه قرارًا مصيريًّا اتُّخذ على نحوٍ يناقض الميثاق، لأنّ حدّها لا يتوقّف على تكييف الوثيقة معاهدةً أو إطارًا، بل يضرب في صلب المضمون والسلطة التي أنتجته.
ولا بدّ هنا من تصويبٍ لتوصيفٍ شائعٍ يُضعف الحجّة من حيث يظنّ أنّه يخدمها. فالقول إنّ المكوّن الأكثر تأثّرًا بالاتفاق «غائبٌ عن الطاولة» توصيفٌ ناقص، لأنّه يُصوّره طرفًا مُهمَلًا نُسي سهوًا. والأدقّ أنّه مُغيَّبٌ ومُستهدَفٌ في آنٍ معًا، وأنّ غيابه عن صناعة القرار ليس إهمالًا عرضيًّا، بل هو الوجهُ الإجرائيّ لاستهدافٍ موضوعيّ. فالإطار لا يتجاهل هذا المكوّن، بل يَجعل منه موضوعَه الأوّل: يُرسي نزعَ سلاحه وتفكيكَ بنيته شرطًا محوريًّا من شروطه، ويمنح إسرائيل — عبر صياغاتٍ فضفاضةٍ مطاطية تتحدّث عن «التهديد» و«النوايا العدائية» للجماعات المسلّحة غير الحكومية — هامشَ تأويلٍ وحركةٍ يُبقي الذريعةَ العسكرية مشرَعةً في وجهه ما بقي قائمًا. وهكذا يتطابق الوجهان: الإقصاءُ عن القرار والاستهدافُ بالقرار ليسا أمرين منفصلين، بل أمرٌ واحد — يُقصى من صناعة القرار لأنّه هو المقصودُ به. وهذا أقصى ما يمكن أن يبلغه عطبُ الميثاقية: لا أن يُغيَّب شريكٌ عن مائدةٍ فحسب، بل أن يُغيَّب لأنّه هو الطبقُ المطروح عليها. وبهذا تتّصل الحجّة الميثاقية — لا شرعية لقرارٍ يُقصي مكوّنًا — بالحجّة الوجودية — القرار يستهدف بقاء المكوّن ذاته — فيغدوان وجهين لعطبٍ واحد.
ومن الخطأ المنهجيّ، وهو خطأٌ يخدم سرديةَ السلطة على نحوٍ مباشر، أن يُقرأ الرفضُ بوصفه موقفَ طائفةٍ واحدةٍ متضرّرة تُدافع عن مصلحةٍ فئوية. فجبهةُ الاعتراض في الواقع عابرةٌ للانتماءات: فإلى جانب المكوّن ذي الثقل السياسيّ والعسكريّ على اشتباك مع عدو وفق قانون، تقف كتلٌ وازنةٌ من طوائف أخرى — من التيار الوطنيّ الحرّ وتيار المردة إلى الحزب التقدميّ الاشتراكيّ، فضلًا عن جماعاتٍ سنّيةٍ معترضة واطراف علمانية وأحزاب أخرى. وهذا الاتّساعُ ليس تحسينًا تجميليًّا للحجّة، بل تقويةٌ منطقية لها: فما دام الاعتراض عابرًا للطوائف، سقط الردّ القائل إنّه «فيتو طائفيّ» أو حسابُ «مكوّنٍ متضرّر»، وصار الطعنُ في الميثاقية أصلبَ، لأنّ الخلل لم يَعُد إقصاءَ طائفةٍ بعينها، بل تغييبَ شريحةٍ وطنية واسعة عابرة للانتماءات عن قرارٍ مصيريّ.
وحفاظًا على رصانة الحجّة، يلزم تثبيت حدودها بأمانة. فالميثاقية في أصلها التوافقيّ تتعلّق بالمشاركة في صناعة القرار وفي بنية السلطة، لا بمنح كلّ طائفةٍ فيتو موضوعيًّا مطلقًا على كلّ سياسةٍ كبرى؛ ولو قُرئت كذلك لتحوّلت إلى أداة شللٍ دائم، وهو ما تفادته المادة 65 ذاتها حين اختارت نصاب الثلثين لا الإجماع. كما أنّ المعسكر المؤيّد للاتفاق عابرٌ للطوائف هو الآخر، والانقسامُ في حقيقته عموديٌّ داخل البيئات لا أفقيًا بين طوائف صافية. لكنّ هذه التحفّظات لا تُبطل اللبّ، بل تَشحذه: فالحجّة الأمتن ليست «رفضُ مكوّنٍ يُسقط الاتفاق» تلقائيًّا، بل «اتخاذُ قرارٍ من رتبة الحرب والسلم خارج النصاب الميثاقيّ الذي فرضه الدستور» يجرّده من الشرعية في أصله. وكونُ الاعتراض عابرًا للطوائف يُثبت أنّ المتنازَع عليه مشروعيةُ قرارٍ مصيريّ، لا غَلبةُ مذهبٍ على آخر. سيما أن العرف في التجربة اللبنانية أقوى من النص, وهذا المفصل الدال أصل لا فرع, ودونه خطورة ظاهرة عيانًا.
رابعًا: استراتيجيةُ التأجيل المُدار — حين يصير الالتفاف بنيةً لا حادثة
إذا جمعنا المسارات الثلاثة، تبيّن أنّ السلطة تقف أمام نصٍّ عاجزٍ بنيويًّا: لا يَنفُذ قانونًا لأنّه دون رتبة المعاهدة، ولا يَصحّ تكوينًا إن لم يَعبر نصاب الثلثين، ولا يَستقرّ ميثاقًا لأنّه يُقصي مكوّنًا ويستهدفه. والمفترَض في وضعٍ كهذا أن يُحمَل الاتفاق إلى المؤسسات الدستورية لتُعالج تعارضه وفق الأصول. لكنّ ما يجري هو العكس تمامًا، وهنا تتكشّف الأطروحة المركزية: تختار السلطة أن تُبقي الاتفاق في منطقةٍ رمادية، لا معاهدةً مكتملةً تُحاكَم، ولا قانونًا يُطعَن فيه، بل «إطارًا» معلَّقًا يُنتج أثره على الأرض من دون أن يُختبَر في أيّ منبر.
وهذه ليست عشوائيةً في الأداء، بل هندسةٌ محكمةٌ لتفادي المؤسسات الواحدة تلو الأخرى. صياغةُ النصّ «إطارًا لا معاهدة» تُفلته من عتبة المادة 52 ومن موافقة مجلس النواب. وإدارتُه في مستوى رأسَي السلطة التنفيذية تتفادى نصاب الثلثين الذي فرضه الطائف في مجلس الوزراء. وعدمُ إحالته قانونًا يَحجبه عن رقابة المجلس الدستوريّ، التي لا تُفعَّل أصلًا إلا بالطعن في قانونٍ مُحال. وبذلك تُترك الميثاقيةُ نفسها معلَّقةً بلا قاضٍ: فالاتفاق ليس قانونًا ليُحال إلى المجلس الدستوريّ، وقد لا يكون قرارًا حكوميًّا مكتمل النصاب ليُختبَر بالمادة 65، وليس معاهدةً مصدَّقةً لتخضع للرقابة. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: الفقرة (ي)، على قوّتها الموضوعية، تفتقر إلى منبرٍ يُنفّذها ما دام الاتفاق خارج صيغة القانون، فتهاجر من سجلّ الإبطال القضائيّ إلى سجلّ المشروعية السياسية — أي إلى الخطاب والتحذير لا إلى القرار والإبطال, وهذا على “شطارته” او “حربقته اللبنانية” الا أنه أيضًا يجعله لا فاعلًا ولا مفعولًا به غير كونه “موقفًا سياسيًا”.
فالنتيجةُ أنّ تفادي المؤسسات ليس عَرَضًا في هذا الاتفاق، بل هو وظيفته الجوهرية. ومجلسُ النواب تحديدًا هو النقطة التي تتقاطع عندها كلّ الخيوط، ولذلك هو المقصودُ الأوّل بالتفادي: فهو وحده يُعدّل قانون 1955، وهو وحده يصدّق المعاهدة، وهو وحده يجسّد الميثاقية في نصاب، وهو وحده يحرّك مسؤولية الحكومة. تفادي المجلس ليس إذن خطوةً من خطوات التأجيل، بل غايتُه القصوى. واللحظةُ التي يُستدعى فيها الإطار إلى الهيئة العامة هي اللحظةُ التي ينكشف فيها التأجيل ويُجبَر على أن يصير قرارًا: إمّا نفاذًا مكتمل الشرعية بمشاركة المكوّنات، وإمّا سقوطًا. وما دام خارجها، يبقى في تلك المنطقة الرمادية اي “الموقف السياسي” : مُنتِجًا لأثره على الأرض، عاجزًا عن اكتساب شرعيته في النصّ.
خامسًا: الجسرُ التاريخيّ — من هامش المجلس إلى رئاسته
ليست محاولةُ تمرير اتفاقٍ مصيريٍّ عبر الالتفاف على الدستور والميثاق ابتكارًا راهنًا، بل لها سابقةٌ تاريخية صريحة تُضيء الحاضر بأكمله: اتفاق 17 أيار 1983. يومها وُقّع اتفاقٌ لبنانيّ–إسرائيليّ برعايةٍ أمريكية، وأُجيز في مجلس النواب بأكثريةٍ تقارب الإجماع بين الحاضرين، في ظلّ عهدٍ رئاسيٍّ في ذروة اندفاعته وصلاحياته، وتحت مظلّةِ اجتياحٍ إسرائيليٍّ بلغ العاصمة وطوّقها، وقوّةٍ متعددة الجنسيات تتقدّمها مشاةُ البحرية الأمريكية وبوارجُ الأسطول السادس التي قصفت مدافعُها دفاعًا عن النظام القائم [6]. أي إنّ اتفاق 17 أيار وُلد وهو يملك «فائضَ قوّةٍ» لا تملك السلطةُ الراهنة عُشره: غطاءٌ برلمانيٌّ مُصدِّق، وعهدٌ متماسك، وحضورٌ عسكريٌّ أمريكيٌّ مباشر يحميه على الأرض.
ومع كلّ ذلك، سقط. تحوّل إلى رمادٍ في انتفاضة السادس من شباط 1984 حين انهارت سيطرة السلطة على بيروت الغربية، فاضطُرّ العهدُ نفسه إلى إلغائه رسميًّا في الخامس من آذار من العام ذاته. وهنا تمنح المقارنةُ الحجّةَ متانةً مضاعفة: إذا كان اتفاقٌ يملك كلّ عناصر القوة تلك قد انهار، فإنّ فرصة «إطار واشنطن» اليوم — وهو مجرّدٌ من معظمها — تكاد تكون منعدمة.
لكنّ الدرس الأعمق ليس في أنّ 17 أيار سقط، بل في كيف كان الرفضُ يومها وكيف صار اليوم؛ وهنا يقع مكمنُ القوّة الحقيقيّ في المقارنة. ففي 1983 كان الوجه البرلمانيّ للاعتراض محصورًا في صوتين معدودين — نجاح واكيم وزاهر الخطيب — وقفا شبه وحيدين في وجه إجماعٍ تصديقيٍّ كاسح، حتى إنّ إسقاط الاتفاق احتاج إلى انفجارٍ ميدانيٍّ خارج المجلس، لأنّ الطريق المؤسسيّ كان مسدودًا أمام أقلّيةٍ نيابية لا تَقدر على شيء. أمّا اليوم فالمعادلةُ لم تَضعُف، بل ارتقت من الشارع إلى المؤسسة: رأسُ السلطة التشريعية نفسه، الرئيس نبيه بري، ومعه كُتل نيابية وازنة، يقفون في موقع الاعتراض. انتقل الرفضُ من هامش المجلس إلى رئاسته، ومن صوتٍ احتجاجيٍّ مفردٍ إلى قوّةٍ مؤسسية قادرةٍ على تعطيل النصاب والشرعنة من داخل الآلية الدستورية ذاتها.
وهذا بالضبط ما يَكشف هشاشةَ استراتيجية «التأجيل المُدار»: فالسلطة لا تهرب من البرلمان لأنّه فارغٌ أو مُذعِن، بل لأنّه هذه المرّة خصمٌ يملك المفتاح. وحيث كان مهندسو 17 أيار يواجهون معارضةً عليهم أن يلتفّوا حولها، يواجه أصحابُ إطار واشنطن معارضةً تجلس على العتبة ذاتها التي يجب أن يعبروها. فالفارقُ عن 1983 ليس مَكمنَ تحفّظٍ يُضعف القياس، بل دليلُ قوّةٍ يَشحذ الأطروحة: لم يَعُد الرفضُ صوتًا هامشيًّا يحتاج إلى الشارع كي يُسمَع، بل صار قوّةً مؤسسيةً تملك تعطيل النفاذ من الداخل.
سادسًا: ذروةُ الأطروحة — الحلقةُ الأضعف وفتيلُ الجيش
ومن هذا الجسر التاريخيّ تبلغ الحجّة ذروتها. فأصحابُ المنحى الراهن أضعفُ، داخليًّا وخارجيًّا، من مهندسي 17 أيار: لا غطاء برلمانيّ مُصدِّق، ولا عهدٌ في ذروته، ولا حامٍ عسكريّ مباشر على الأرض، بل نصٌّ رماديٌّ يفرّ من مؤسساته. وهذا الضعفُ البنيويّ يحرمهم من القدرة على تثبيت الاتفاق سلمًا دائمًا أو استكمال شرعيته؛ فالنفاذُ الذي يطمحون إليه يتطلّب عبورَ العتبات نفسها التي يفرّون منها، ومن يهرب من البرلمان لا يستطيع أن ينتزع منه شرعيةً لم يطلبها.
لكنّ هنا، تحديدًا، مكمنُ الخطر الذي تدور حوله المقالة كلّها. فالضعفُ الذي يمنعهم من التثبيت لا يمنحهم البراءة من التفجير. إنّ العجز عن فرض الاتفاق شيءٌ، والعجز عن إشعال الداخل به شيءٌ آخر تمامًا؛ والحلقةُ الأضعف في معادلة القوة قد تكون الأقدرَ على التخريب، لأنّها تفتقر إلى ثمن النجاح وتملك بالكامل أدوات الفوضى. فحين تُقدِم سلطةٌ هشّةٌ على قرارٍ يستهدف وجوديًّا مكوّنًا أساسيًّا، ومعه كتلٌ وازنةٌ عابرةٌ للطوائف، فإنّها لا تَفتح بابَ التسوية، بل بابَ المواجهة ,وهذا هو أقصى طموح الطرف الثاني في “اطار واشنطن” وهي اسرائيل.
وهنا يكتسب تعليقُ الرئيس بري قيمته الاستدلالية القصوى ووجاهته الاستقرائية، لا بوصفه خبرًا سياسيًّا عابرًا، بل بوصفه إعادةَ توزيعٍ للمسؤولية عن الفتنة قبل وقوعها. فحين يُعلن، من موقع رئاسة المجلس، ما مفاده أنّه لا يريد الفتنة، وأنّه وحزب الله يعملان على التهدئة، فهو يَسحب من السلطة سرديةَ «الاستقرار مقابل التعطيل» ويقلبها رأسًا على عقب: الطرفُ المتّهم بتعطيل النفاذ يُقدّم نفسه ضامنًا للتهدئة، والطرفُ المتّهم بالتفجير هو من يُدفَع إليه نحو الحافة. والأبلغُ من ذلك أنّه يُعيّن الفتيلَ بدقّةٍ متناهية, حين يرسم خطًّا أحمر صريحًا حول قائد الجيش: «ممنوع المساس بقائد الجيش». في هذه العبارة الموجزة يتكثّف جوهرُ الخطر كلّه: نقطةُ التفجير المحتملة ليست الاتفاق في ذاته، بل اللحظةُ التي تُحوَّل فيها المؤسسة العسكرية من حَكَمٍ جامعٍ يصون الحدّ الأدنى من التوافق الوطنيّ، إلى أداةٍ في تنفيذ نصٍّ خلافيٍّ يستهدف مكوّنًا أساسيًّا. أي إنّ رأس السلطة التشريعية يُحذّر سلفًا من اللحظة التي ينكسر فيها الإجماع حول الجيش، فيتحوّل الضامنُ الأخير للاستقرار إلى طرفٍ في الصدع.
ويلزم هنا ضبطٌ منهجيٌّ يَحفظ للاستشهاد قوّته: ليس المقصود تقديمَ كلام بري حُكمًا محايدًا على النيّات، فهو طرفٌ في الانقسام لا قاضٍ فوقه، وتقديمُه نفسَه ضامنًا للتهدئة هو ذاته فعلٌ سياسيّ. لكنّ هذا لا يُضعف الاستدلال بل يُغنيه: فالقيمةُ هنا في موقع المتكلّم لا في حياده. أن يكون مَن يرسم خطّ الاشتعال ويُموضع نفسه عند ضابطه هو رئيسُ السلطة التشريعية، لا نائبٌ معارضٌ منفرد كما كانت الحال في 1983، هو ذاته الدليلُ على ارتقاء المعادلة من الهامش إلى المركز. فالخطرُ لم يَعُد احتمالًا يُستنتَج من التحليل، بل تحذيرٌ مُعلَنٌ يصدر عن أعلى موقعٍ تشريعيّ، ويُعيّن فتيلَه بالاسم.
خاتمة: حين يصير وهمُ النفاذ وصفةً للهاوية
تنغلق الحلقةُ إذن على معادلةٍ قاتمةٍ متماسكة. هروبُ السلطة من المؤسسة الدستورية — التي تفضح عجزها القانونيّ وتُخضعها لنصاب الميثاق — نحو المنطقة الرمادية، بالتزامن مع افتقادها عناصرَ القوة الداخلية والإقليمية التي امتلكها أسلافُها وسقطوا رغمها، يُحوّل الاتفاق من مشروع «حلٍّ خارجيّ» إلى أداةٍ لتفجير الداخل وجرّه إلى المجهول. وبهذا يصبح «وهمُ النفاذ» القانونيّ أخطرَ بكثيرٍ من مجرّد عجزٍ إجرائيّ: إنّه الوصفةُ السياسية المباشرة لأخذ البلد إلى حافة الهاوية، حيث تعجز الحلقةُ الأضعف عن صيانة النفاذ، لكنّها تملك تمامًا القدرة على هدم الاستقرار.
والمفارقةُ التي تحكم المشهد كلَّه أنّ ما يُبقي الاتفاق غير نافذٍ هو نفسه ما يجعله خطِرًا. فعجزُه عن اكتساب الشرعية في النصّ لا يُعطّل أثره السياسي في الواقع، بل يُطلقه بلا ضوابط: نصٌّ لا يَعبر المؤسسات لا يخضع لرقابتها ولا لتوازناتها ولا لكوابحها، فيبقى مفتوحًا على التأويل والاستخدام. وما يحرم المكوّن المُستهدَف من فرصة المشاركة هو نفسه ما يحرم السلطة من شرعيةٍ كاملة. فالتأجيلُ المُدار ليس عجزًا عن الحسم، بل هو الحسمُ في صيغته الصامتة — إدارةٌ للكلفة لا قصورٌ في الأداة. لكنّه يقوم على رهانٍ خطير: أنّ بالإمكان بناء سلمٍ على نصف وطن، وأنّ قرار الحرب والسلم يحتمل أن يُتّخذ من دون مَن يُراد به ومَن سيدفع كلفته الكبرى.
والتاريخُ اللبنانيّ يقول إنّ القرارات التي تُتّخذ بتغييب مكوّنٍ أساسيّ لا تُنتج استقرارًا، بل تؤجّله — تمامًا كما يؤجّل هذا الاتفاق نفاذه. فالميثاقيةُ حين تُعطَّل لا تختفي؛ إنّها تنتظر. واتفاقٌ يُولَد ميتًا في المؤسسات قد لا يَقدر على أن يَحيا سلمًا، لكنّه قادرٌ تمامًا على أن يُورِّث حربًا. ولعلّ التحذير الصريح من «الفتنة»، الصادر عن رأس السلطة التشريعية، لم يكن خطابةً عابرة، بل الاسمَ السياسيّ الدقيق لما يَختزنه هذا الوهم: أنّ التأجيل، حين يُدار فوق صدع وطنٍ منقسم وعلى حساب مكوّنٍ مُستهدَف، ليس تأجيلًا للحرب، بل تأجيلٌ لها إلى أسوأ توقيت.
- الهوامش
- [1] قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر في 23 حزيران 1955 (عهد الرئيس كميل شمعون)، المادة الأولى: «يُحظر على كلّ شخصٍ طبيعيٍّ أو معنويٍّ أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقًا مع هيئاتٍ أو أشخاصٍ مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقاتٍ تجارية أو عملياتٍ مالية أو أيّ تعاملٍ آخر أيًّا كانت طبيعته.» ويُذيِّل القانون أحكامه بنصٍّ يُلغي «جميع النصوص التي تتعارض مع أحكام هذا القانون»، فيتأكّد أنّ مفعوله لا يُعطَّل إلا بأداةٍ من رتبته. وموضع الحظر هنا «الشخص الطبيعيّ أو المعنويّ» لا الدولة بوصفها صاحبة السياسة الخارجية، وهو ما يُبقي فعل التفاوض السياديّ خارج نطاقه، بينما يُبقي التنفيذ الداخليّ (تعاملات الأشخاص) داخله — وهو لبّ التمييز في المسار الأوّل.
- [2] الدستور اللبنانيّ، المادة 52: «يتولّى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتُطلِع الحكومةُ مجلسَ النواب عليها حينما تُمكّنها من ذلك مصلحةُ البلاد وسلامةُ الدولة. أمّا المعاهدات التي تنطوي على شروطٍ تتعلّق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخُها سنةً فسنة، فلا يمكن إبرامُها إلا بعد موافقة مجلس النواب.»
- [3] الدستور اللبنانيّ، المادة 17 (بصيغتها المعدَّلة بموجب القانون الدستوريّ الصادر في 21/9/1990): «تُناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وهو يتولّاها وفقًا لأحكام هذا الدستور.» وهي المفصل الذي نقل السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية مُنفردًا إلى الهيئة الجماعية بعد الطائف.
- [4] الدستور اللبنانيّ، المادة 65 (الفقرة الخامسة، الصيغة المعدَّلة 1990): «يجتمع مجلس الوزراء دوريًّا في مقرٍّ خاصّ، ويترأّس رئيسُ الجمهورية جلساتِه عندما يحضر. ويكون النصابُ القانونيّ لانعقاده أكثريةَ ثلثَي أعضائه، ويتّخذ قراراته توافقيًّا، فإذا تعذّر ذلك فبالتصويت، ويتّخذ قراراته بأكثرية الحضور. أمّا المواضيع الأساسية فإنّها تحتاج إلى موافقة ثلثَي عدد أعضاء الحكومة المحدَّد في مرسوم تشكيلها. ويُعتبر مواضيع أساسية ما يأتي: تعديل الدستور، إعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، إقالة الوزراء.» يُلاحَظ اقترانُ نصاب الثلثين بمبدأ القرار «توافقيًّا» أوّلًا، وهو ما يجعل المادة الترجمةَ المؤسسية لميثاق العيش المشترك.
- [5] مقدّمة الدستور اللبنانيّ، الفقرة (ي) (المقدّمة مُضافةٌ بموجب القانون الدستوريّ الصادر في 21/9/1990): «لا شرعية لأيّ سلطةٍ تناقض ميثاق العيش المشترك.» وقد استقرّ اجتهاد المجلس الدستوريّ على أنّ مقدّمة الدستور جزءٌ لا يتجزّأ منه وتتمتّع بقيمةٍ دستورية كاملة، فهذه الفقرة قاعدةٌ آمرة لا شعار.
- [6] السجلّ الوقائعيّ لاتفاق 17 أيار 1983: أقرّ مجلس الوزراء مضمون الاتفاق في 14 أيار 1983 وفوّض رئيسَ الوفد المفاوض الدكتور أنطوان فتّال بتوقيعه، فجرى التوقيع في 17 منه. ثمّ أجاز مجلس النواب للحكومة إبرام الاتفاق في جلسة 14 حزيران 1983، فأيّده خمسةٌ وستون نائبًا وعارضه نائبان وامتنع أربعة وتغيّب تسعة عشر. (Monthlymagazine) وكان النائبان المعارضان الوحيدان زاهر الخطيب ونجاح واكيم، (Wikipedia) فيما امتنع حسين الحسيني ورشيد الصلح وألبير منصور، ولم يصوّت رئيس المجلس كامل الأسعد التزامًا بحياد موقعه. (Majalla) ومع هذا التصديق شبه الإجماعيّ، لم يَصمد الاتفاق سنةً واحدة: فبعد شهرٍ على انتفاضة السادس من شباط 1984، قرّرت الحكومة في الخامس من آذار 1984 اعتباره باطلًا وإلغاء كلّ ما قد يكون ترتّب عليه من آثار، (Al-binaa) وذلك تحت وطأة الرفض الشعبيّ والاعتراض السوريّ في سياق الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيليّ وحصار بيروت 1982. (Wikipedia)
مؤسس مركز كلمة للدراسات الجيوسياسية