
رحلة كتابي الأول: «عقيدة هندسة الوعي»
بقلمي علي فضّة
كان يفترض أن يحمل كتابي الأول عنوان «الفلسفة السياسية وفن الممكن». أعلنت عنه سابقًا، ثم أوضحت سبب توقفي عند سؤال مركزي: هل الفلسفة قبل السياسة أم بعدها؟ لم يكن التوقف بلا نتيجة؛ فقد قادني إلى ما أراه علّة فلسفية تتصل بالفارق بين «العمل السياسي» و«الفعل السياسي»، ومعها أصبح المشروع أوضح. لكن الوضوح ليس هو النضج الذي أريده لكتاب فلسفي أضع اسمي عليه. لذلك ما زالت مسوداته الكثيرة والمعقدة في أدراجي، وما زلت أقول إن الكتاب الذي أردته أول كتبي قد يكون آخرها.
أما أنا، فلا أجيد كثيرًا الكتابة عن نفسي. منذ ما يقارب خمسة وعشرين عامًا والقراءة جزء من حياتي، ومكتبتي كبيرة ومتنوعة. كتبت في صحف ومواقع، ونشرت مقالات ودراسات، وكنت ضيفًا في قنوات وفضائيات لبنانية وعربية وأجنبية، ومع السنوات أخذ اهتمامي يميل أكثر إلى الفكر السياسي من الراهنية، وإلى التحليل المعرفي أكثر من التعليق الحدثي على الأحداث. ما أستطيع قوله ببساطة هو أنني أقرأ وأفكر وأكتب، وما زلت أحاول.
البعض يصف كتاباتي بالنخبوية، وربما بالتعالي أحيانًا. وهذا انطباع قديم يسبق هذا الكتاب. لم أقصد يومًا أن أكتب لقارئ دون آخر، ولم أتعمد تعقيد الفكرة، وكنت سأكون سعيدًا لو انتشرت مقالاتي أوسع مما انتشرت. لكنني كلما بسطت أكثر مما تحتمله بنية الفكرة شعرت أنني أفقد شيئًا منها، ولم أهتدِ بعد إلى الصيغة التي تبسط من غير أن تخسر. وهذا أسلوبي، أجد نفسي فيه: أكتب كما أفكر.
ومع كل هذه السنوات من القراءة والكتابة والنشر، وصلت في عامي الرابع والأربعين إلى قناعة شخصية أصبحت بالنسبة إليّ سببًا كافيًا للانتقال إلى التأليف: لا قيمة للفكرة إن لم تُدوّن، ولا قيمة للمعرفة إن لم تُنشر. لم أقرر أن أصبح «مفكرًا»، ولا أن أضيف إلى اسمي صفة جديدة. قررت أن أصبح مؤلفًا، بمعنى بسيط جدًا: ألا أترك ما أقرأه وأفكر فيه ينتهي عندي، وأن أضع الفكرة مكتوبة أمام الآخرين، قابلة للفحص والنقد والرفض والإضافة.
ومن هنا جاء كتابي الأول: «عقيدة هندسة الوعي: بين نقد الفرضيات واختبارها».
من سؤال إلى دراسة
لم يبدأ هذا الكتاب بوصفه كتابًا. بدأ بدراسة. ولم تبدأ الدراسة من سؤال عن قوة الدعاية، أو تأثير الإعلام، أو قدرة الخوارزميات والتقنيات الحديثة على تغيير السلوك. كان السؤال الذي يشغلني أسبق من ذلك: ما الذي يجعل الإنسان، في المقام الأول، موضوعًا مشروعًا للعمل عليه؟ وكان هذا السؤال يتكثف بالنسبة إليّ في جملة واحدة: «الفارق بين أن يُخاطَب الإنسان، وأن يُشتغَل عليه».
هذه الجملة لم تكن خاتمة أدبية توصلت إليها بعد الانتهاء من الكتاب، بل كانت منطلقًا عاد إليه كل شيء لاحقًا. فالإنسان يتأثر، وهذه ليست فكرة جديدة. والسياسة والإعلام والدعاية والإعلان، واليوم الخوارزميات والتقنيات الرقمية، تستطيع جميعها التأثير في المواقف والاختيارات والسلوك، وقد كُتب في ذلك الكثير. لكنني لم أرد أن أضيف كتابًا جديدًا ليقول إن الإنسان قابل للتأثير، أو إن السلطة تحاول تشكيل الرأي، أو إن الأدوات الحديثة أصبحت أكثر قدرة على معرفة الإنسان والتنبؤ بسلوكه.
كان السؤال الذي أبحث عنه يقع قبل ذلك: بأي افتراض عن الإنسان يصبح وعيه أصلًا موضوعًا مشروعًا للعمل عليه؟
ومن هنا أخذت الدراسة تتسع. استغرقت الرحلة أكثر من ستة أشهر، لكنني لا أريد وصفها بما ليست عليه. لم أقض هذه الأشهر أبدأ القراءة في الموضوع من الصفر. عدد لا بأس به من المصادر كنت قد قرأته من قبل، وبعض الأسئلة والأفكار التي دخلت الكتاب كانت حصيلة تراكم أقدم بكثير. كانت الأشهر الستة، في جانب أساسي منها، رحلة تحويل التراكم إلى بناء: العودة إلى النصوص، والتحقق منها، وربط ما كان متفرقًا، والكتابة والحذف وإعادة الكتابة، والتمييز بين ما يبدو مقنعًا وما يمكن فعلًا بناء حجة عليه.
وكان سؤال يرافقني باستمرار: هل أضيف شيئًا، أم أكرر ما قيل؟
عربي النشأة
هذا السؤال كان مهمًا لي بصورة خاصة لأنني أردت للكتاب منذ أن بدأ يتشكل أن يكون عربي النشأة، لا عربي اللغة فقط.
مصادر الكتاب بطبيعة الحال متعددة، تنتمي إلى مدارس وتجارب ولغات مختلفة، والمعرفة لا تُبنى داخل حدود لغوية مغلقة. لكن السؤال الذي يقوم عليه الكتاب، والطريقة التي أعدت بها تركيب المشكلة، واستخراج فرضياتها، وبناء نقدها ثم اختبارها، نشأت بالعربية، ولم تكن نقلًا لكتاب أو نظرية مكتملة من لغة أخرى.
وأريد أن أكون دقيقًا في تحديد ما أدّعيه هنا وما لا أدّعيه. لا أزعم أن أيًّا من المسائل التي يعالجها الكتاب بكر لم يسبق أن طُرقت. فالتمييز بين معاملة الإنسان غايةً ومعاملته وسيلةً قديم في الفلسفة الأخلاقية، والفصل بين الفعل التواصلي والفعل الاستراتيجي له تقليده، ونقد الأبوية والوصاية المعرفية له أدبياته، ومعيار العلنية بوصفه اختبارًا للمشروعية مطروح منذ زمن، والسؤال عن قدرة نقد الأيديولوجيا على أن يشمل صاحبه سؤال معروف في سوسيولوجيا المعرفة. هذه تقاليد سابقة، وأنا مدين لها، ولا معنى لادّعاء العكس.
الدعوى التي أتقدم بها أضيق من ذلك وأكثر تحديدًا: أن هذه العناصر، على تفرقها في تقاليدها ولغاتها، لم تُجمع في جهاز واحد يعمل بوصفه جهازًا. أن تُستخرج الفرضيات من نصوصها المعلنة بدل أن تُستنتج من الآثار، وأن تُربط فيما بينها بحيث تفسر إحداها الأخرى، وأن تُنقد من داخلها لا من خارجها، ثم تُعلن حدودها وتُنزل إلى الاختبار. هذا الجمع والتوليف والبناء هو ما أقدمه، لا اكتشاف عناصره.
وقد بحثت بجدية عن عمل عربي سبقني إلى هذا المسار بعينه فلم أجده. المكتبة العربية تعرف كتبًا عن الدعاية والتأثير الإعلامي وصناعة الرأي والوعي، وبعضها جاد ومهم، وقد كُتب قبل هذا الكتاب. لكن ما لم أجده هو عمل يعود من الأدوات إلى الفرضيات التي تسبقها، ويبني بينها منظومة نقدية مترابطة، ويخضعها لنقد داخلي، ويعلن حدود الدعوى وما يمكن أن يبطلها، قبل أن ينتقل بها إلى الاختبار ويسجل ما صمد منها وما تغير وما لم ينطبق.
لهذا لم أكن أريد مجرد كتاب عربي عن هندسة الوعي. كنت أريد أن تكون هناك مساهمة عربية في تأسيس السؤال نفسه.
وهذا فرق يعني لي الكثير. أن نقرأ ما أنتجه الآخرون أمر لا غنى عنه، وأن نترجمه ونناقشه أمر ضروري، لكن العربية لا ينبغي أن تبقى لغة تصل إليها المعرفة بعد اكتمالها في مكان آخر. تستطيع أن تكون أيضًا لغة ينشأ فيها السؤال، ويُبنى فيها المفهوم، وتُصاغ فيها الفرضية، ويُنتج من داخلها النقد.
لهذا أقول إن «عقيدة هندسة الوعي» عربي النشأة. ليس لأن مراجعه عربية، فهي ليست كذلك في معظمها، ولا لأن موضوعه عربي محلي، فهو يتناول مسألة تتجاوز الجغرافيا، بل لأن الجهاز النقدي الذي يقترحه الكتاب بُني بالعربية، ولأن السؤال الذي ينظم مادته صيغ من داخل مشروع فكري عربي، لا بوصفه شرحًا عربيًا لمشروع جاهز.
يمكننا أن ننتج السؤال أيضًا.
الفرضية قبل الأداة
وهنا أصل إلى ما حاولت إضافته فعلًا. لم أرد أن أسأل فقط: كيف يُشكَّل وعي الإنسان؟ بل: ما الفرضيات التي يجب أن تسبق ذلك حتى يصبح وعي الإنسان، في نظر من يفعل، شيئًا قابلًا ومشروعًا للتشكيل؟
عند هذه النقطة بدأ يتضح لي أن موضوع الكتاب ليس الأداة بقدر ما هو الفرضية التي تسبق الأداة. ومن هنا أيضًا جاءت كلمة «عقيدة» في العنوان. لا أستخدمها بمعناها الديني، بل بوصفها منظومة من الفرضيات التي يجري التعامل معها كمقدمات مستقرة تسبق الممارسة وتمنحها إطارها ومشروعيتها.
وخلال العمل تبلورت أمامي ست فرضيات: تشييء الوعي، والوصاية الإبستمية، واختزال المشروعية في الرضا، واختزال الإنسان في الملاحَظ، والأبوية النفعية، والاستثناء الذاتي. وهي ليست ستة عناوين منفصلة بقدر ما هي بناء تتصل أجزاؤه بعضها ببعض.
وكان السؤال الذي يربط بينها بسيطًا في صيغته، لكنه شديد التعقيد في نتائجه: هل تنتج المعرفة حقًا؟
إذا كنت أعرف عن آليات وعيك أكثر مما تعرف، فهل تمنحني هذه المعرفة حقًا في توجيهك؟ وإذا كنت أستطيع التأثير في اختيارك، فهل قدرتي على فعل ذلك تمنح الفعل مشروعيته؟ وإذا استطعت أن أؤثر في الشروط التي يتكون ضمنها رضاك، فهل أستطيع بعد ذلك أن أستشهد بهذا الرضا نفسه دليلًا على مشروعية ما فعلته؟
هنا يظهر فارق أساسي يقوم عليه الكتاب: بين المعرفة والحق مسافة، وبين القدرة والمشروعية مسافة أخرى.
ثم جاءت الفرضية السادسة، الاستثناء الذاتي، لتضع البناء كله أمام امتحانه الأصعب. فإذا كان وعي الإنسان مشروطًا، وإذا كانت أحكامه قابلة للتفسير من خلال الظروف والآليات التي شكلتها، فلماذا يقف صاحب هذه المعرفة خارج الحكم نفسه؟ لماذا يصبح الآخر موضوعًا للتفسير والتوجيه والتشكيل، بينما يحتفظ من يقوم بذلك لنفسه بموقع من يعرف ويقرر؟
هذه الفرضية كانت مهمة لأنها سمحت لي بمحاولة بناء النقد من داخل العقيدة نفسها، لا بالاكتفاء باعتراض أخلاقي يأتيها من الخارج. فإذا كانت المقدمات التي يقوم عليها البناء تنتهي إلى تناقض لا يستطيع تجاوزه إلا باستثناء صاحبه من الحكم الذي يطبقه على الآخرين، فالمشكلة لم تعد مجرد اختلاف أخلاقي معه، بل أصبحت مشكلة داخل منطقه نفسه.
لا نية مخفية، بل فرضية معلنة
وموضوع «هندسة الوعي» يغري بسهولة بالانزلاق إلى السردية المؤامراتية: من يتحكم بمن؟ من يقف خلف ماذا؟ وما النيات المخفية؟ لكنني لم أرد كتابة هذا النوع من الكتب، ولم أجد أنني بحاجة إليه أصلًا. فالفرضيات التي أبحث عنها ليست أسرارًا مخفية؛ كثير منها موجود في نصوص معلنة ومكتوبة ومدرّسة.
لذلك كان أحد القرارات المنهجية الأساسية في الكتاب: استخراج الفرضية من النص، لا استنتاج النية من الأثر؛ وتتبع الفرضية، لا الحدث.
لم يكن سؤالي: من تلاعب بمن؟ بل: ما الفرضيات التي يجب أن نقبل بها أولًا حتى يصبح التوجيه أو التصميم السلوكي أو صناعة الرضا فعلًا يمكن تبريره؟
بهذا انتقل المشروع بالنسبة إليّ من جمع ظواهر وأمثلة إلى محاولة بناء جهاز نقدي. لكن الجهاز النقدي لا يكون صارمًا إذا كان يعمل على الآخرين فقط.
وهنا واجهني سؤال لم أستطع تجاوزه: إذا كنت أنتقد من يستثني نفسه من الحكم الذي يطبقه على الآخرين، فكيف أسمح لكتابي بأن يستثني نفسه؟
كان على الأداة أن تستطيع الارتداد على صاحبها. وكان عليّ أن أعلن حدود ما أدعيه، وأن أحدد ما يمكن أن يخذل الفرضية، وأن أقبل بأن الواقعة قد لا تأتي كما تريد الأطروحة.
ما الذي يبطل فرضية معيارية؟
وهنا يلزم تمييز لم أشأ أن أمر عليه مرور العابر، لأن إهماله يفتح على الكتاب أول اعتراض جاد يمكن أن يوجه إليه.
الفرضيات التي يعالجها الكتاب ليست من نوع واحد. منها ما هو وصفي: أن فاعلًا بعينه يشتغل فعلًا بهذه المقدمة، وأن هذه المقدمة حاضرة في نصوصه وممارساته. وهذا النوع يمكن أن تبطله الواقعة؛ فإن لم أجد المقدمة في النص، وإن جاءت الممارسة على خلافها، سقطت الدعوى في هذه الحالة.
ومنها ما هو معياري: أن هذه المقدمة لا تصمد بوصفها مبررًا للفعل. وهذا النوع لا تبطله الواقعة، لأن الوقائع لا تكذّب المعايير. ما يبطله هو تماسكه الداخلي، أو مثال مضاد مفهومي يظهر أن المعيار ينتج نتيجة يرفضها صاحبه نفسه، أو أن تطبيقه على حالة يفضي إلى نقض مقدمة أخرى في البناء نفسه.
وقد حرصت على ألا أخلط بين المستويين، وألا أستعير للدعوى المعيارية لغة الاختبار التجريبي فأمنحها صرامة لا تخصها. فالكتاب يعلن في كل موضع أي نوع من الدعاوى يتقدم به، وبأي معيار يمكن أن يُردّ عليه.
القسم المختبِر
وعند هذه النقطة تحديدًا تحولت الدراسة، بالنسبة إليّ، إلى كتاب.

لم يعد القسم الأول، الذي يستخرج الفرضيات ويبني الحجة ونقدها، كافيًا. كان لا بد من قسم ثانٍ ينزل بهذه الفرضيات إلى حالات محددة ويختبرها؛ قسم مختبِر لا مؤسِّس.
ولم أرد أن تكون الحالات أمثلة للزينة، تُختار لأنني أعرف مسبقًا أنها ستؤكد ما أقول. أردت للحالة أن تمتلك حق الاعتراض على الكتاب: أن يكون المعيار معلنًا قبل النظر في الأدلة لا مصنوعًا بعد معرفة النتيجة، وأن أسجل بوضوح ما صمد وما تغير وما لم ينطبق. فالنظرية التي لا تسمح للواقع بأن يخذلها تستطيع دائمًا أن تدعي أنها صحيحة، وهذا ليس ما أردته.
ولهذا جاءت النتائج متفاوتة، وهو في تقديري لمصلحة الكتاب لا ضده. فمن الفرضيات ما خرج من الاختبار أقوى مما دخل، ومنها ما اضطرني إلى تضييق صياغته، ومنها ما لم ينطبق على الحالة فسجلت ذلك كما هو.
ولعل القارئ يلاحظ في بعض المواضع أنني اخترت ما يصعّب العمل عليّ لا ما يخدم فكرتي. فالحالة السهلة، التي أعرف سلفًا أنها ستؤكد ما أقول، تمنح الأطروحة نصرًا لا قيمة له. أما الحالة التي تقاوم التصنيف، وتحتمل أكثر من قراءة، وتضع المعيار نفسه في مأزق، فهي وحدها التي يعني صمود الفرضية أمامها شيئًا. ومن هذه المواضع، أدعو القارئ إلى الوقوف عند حالة «التدريب الحياتي».
وهنا تحديدًا يقع ما أرجو أن يكون أهم ما يخرج به القارئ من الكتاب. فالحالات التي عالجتها ليست موضوع الكتاب، بل هي مواضع تشغيل الجهاز؛ اخترتها لأنها تظهر كيف يعمل، لا لأنها تستوفي ميدانه. والميدان أوسع بكثير من أي عدد من الحالات: التعليم، والإعلان، والصحة العامة، والسياسة الانتخابية، وتصميم المنصات، والخطاب الديني، والإدارة، وكل موقع يُقال فيه إن معرفة أحدهم بآليات وعي غيره تمنحه حق التصرف بها.
ما أضعه بين يدي الباحث المختص والقارئ المهتم إذن ليس خلاصة أدعوهما إلى قبولها، بل أداة فحص أدعوهما إلى تجريبها. والأسئلة التي يطرحها الجهاز على أي ممارسة قليلة وواضحة: ما الفرضيات المعلنة التي تقوم عليها هذه الممارسة؟ هل يمكن إعلان قاعدة عملها لمن تقع عليه ويبقى الفعل قادرًا على العمل؟ هل تستشهد برضا شاركت هي في صناعة شروطه؟ وهل يستثني القائم عليها نفسه من الحكم الذي يطبقه على غيره؟
وهذه أسئلة لا تحتاج إليّ لتُطرح. فإن استطاع القارئ أن يحملها إلى حالة لم يتناولها الكتاب فيجد أنها تضيء فيها ما كان معتمًا، فذلك أقوى دليل على أن الجهاز يعمل. وإن حملها إلى حالة فوجدها تخذله، أو تعطي نتيجة لا يقبلها، أو تعجز عن التمييز حيث ينبغي أن تميز، فذلك بالضبط ما يحتاج إليه هذا العمل ليتقدم؛ وهو نقد أرحب به لأنه يأتي من داخل المعيار لا من خارجه.
فما أطلبه ليس التصديق. أطلب أن تُجرَّب الأداة على غير ما جرّبتها عليه.
وهنا أيضًا أعود إلى هاجس الإضافة لا التكرار. لا أدعي أنني أقدم الكلمة الأخيرة في هندسة الوعي، ولا أنني أحطت بكل ما كتب في موضوع شديد الاتساع. ما حاولت أن أقدمه هو تغيير موضع السؤال.
من: ما الأدوات التي تشكل الوعي؟ إلى: ما الفرضيات التي منحت أحدًا، في الأصل، حق التعامل مع وعي غيره بوصفه شيئًا قابلًا للتشكيل؟
ومن: هل نجح التأثير؟ إلى سؤال المشروعية.
ومن البحث عن النيات المخفية إلى مساءلة الفرضيات المعلنة.
ومن نقد الآخر إلى معيار يفترض، إذا كان جادًا، ألا يعفي صاحبه.
معيار قابلية الإعلان
حين أخاطب الإنسان، أعرض عليه حجتي. يستطيع أن يفحصها ويناقشها ويقبلها أو يرفضها. أما حين تكون فاعلية ما أفعله مشروطة بألا يدرك الإنسان الآلية التي تعمل عليه، فنحن نغادر مساحة الخطاب إلى مساحة أخرى. لم يعد الإنسان مجرد مخاطَب؛ لقد أصبح موضوعًا للعمل عليه.
ومن هنا جاء معيار أراه من أهم ما في الكتاب: هل يمكن إعلان قاعدة الفعل لمن يقع عليه، ويبقى الفعل قادرًا على العمل؟ الحجة تحتمل الإعلان، بل تزداد به قوة؛ فمن يعرف أنني أحاججه يستطيع أن يفحص حجتي، وفحصه لها لا يبطلها. أما ما تتوقف فاعليته على جهل من يقع عليه بقاعدته، فإن هذا الجهل ليس تفصيلًا جانبيًا في العملية، بل شرط عملها. وهذا الفارق وحده يكفي لتصنيف الفعل.
ولهذا لم أشأ أن ينتهي الكتاب إلى برنامج لـ«هندسة وعي مضادة». فإذا كانت المشكلة في تحويل الإنسان إلى مادة لمشروع تشكيل لم يشارك في تقرير شروطه، فإن استبدال من يقوم بالتشكيل لا يحل المشكلة. استبدال مهندس بمهندس آخر لا يعيد للإنسان موقعه.
ما حاولت الوصول إليه ليس «الوعي الصحيح» الذي ينبغي أن نفرضه على الناس، بل استعادة الشروط التي يستطيع فيها الإنسان أن يفحص ما يُعرض عليه، وأن يعرف الدعوى التي توجه إليه، وأن يقبلها أو يرفضها، وأن يكون حاضرًا في عملية تشكل وعيه بدل أن يكون مجرد موضوع لها.
لهذا استغرقت الرحلة أكثر من ستة أشهر. لم يكن التحدي أن أجمع مادة تكفي لملء كتاب، بل أن أبني حجة تستطيع أن ترتد عليّ أنا أيضًا. كنت أعود إلى الأسئلة نفسها بأشكال مختلفة: هل ينطبق معياري عليّ؟ هل أمنح نفسي استثناءً أرفضه عند غيري؟ ما الواقعة التي يمكن أن تجعلني أعدل عن فرضيتي؟ وأين يجب أن أتوقف عن الادعاء؟
وربما عند هذه النقطة أدركت أن ما بدأ دراسة لم يعد يمكن أن يبقى دراسة.
أصبح كتابًا.
هذه حجتي، فافحصها
واليوم، وأنا أضع «عقيدة هندسة الوعي» بين يدي القارئ، لا أقدمه باعتباره خلاصة خمسة وعشرين عامًا من القراءة، ولا بوصفه إعلانًا بأنني أصبحت أعرف ما يكفي. فالقراءة بالنسبة إليّ فعلت العكس تقريبًا: كلما اتسعت المعرفة، اتسعت معها مساحة ما أدرك أنني لا أعرفه.
لكنني وصلت إلى قناعة بأن إدراك ما لا نعرفه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للصمت، وأن انتظار اللحظة التي تصبح فيها الفكرة مكتملة تمامًا قد يعني أن تبقى إلى الأبد في رأس صاحبها.
لهذا كان قرار التأليف.
لا قيمة للفكرة إن لم تُدوّن، ولا قيمة للمعرفة إن لم تُنشر.
والنشر، كما أفهمه، ليس أن أقول للقارئ: هذه حقيقة وعليك أن تقبلها. بل أن أضع أمامه ما توصلت إليه وأقول: هذه فكرتي، وهذه حجتي، وهذه حدودها… افحصها.
لهذا أضع اليوم كتابي الأول بين أيدي القراء. لا أطلب من القارئ أن يتبنى ما أقول، بل أن يختبره. وإذا وجد خللًا في الفرضية أو الحجة أو المنهج، فله أن يبدأ نقد الكتاب من الكتاب نفسه؛ فهذا في النهاية جزء مما يطالب به الكتاب الآخرين.
بدأ المشروع كله من سؤال عن «الفارق بين أن يُخاطَب الإنسان، وأن يُشتغَل عليه».
ولذلك ربما لا أجد خاتمة أكثر اتساقًا معه من هذه:
هذا كتابي، وهذه حجتي، وأضعهما أمام القارئ للفحص والنقد، لا للتلقي والتسليم.
فأنا، في النهاية، أريد أن أخاطب القارئ… لا أن أشتغل عليه.