وهْم الممكن: الاتفاق الإطاريّ بين منطق الصفقة ومنطق الحرب اللامتماثلة والدور الإقليمي .

وهْم الممكن: الاتفاق الإطاريّ بين منطق الصفقة ومنطق الحرب اللامتماثلة والدور الإقليمي .

علي فضّة ||


حين وقّعت واشنطن وبيروت وتل أبيب اتفاقَهنّ الإطاريّ في السادس والعشرين من حزيران، قُدِّم النصّ بوصفه “بداية البداية”؛ غير أنّ صياغته كشفت عن وظيفته قبل أن تكشف عن وعوده: عمليّةٌ متدرّجة تستعيد فيها الدولة سلطتها مقابل نزع سلاحٍ يسبق الانسحاب ولا يَتلوه، اختصرها الطرف الإسرائيليّ بمعادلةٍ صريحة — “إيران خارجة، حزب الله خارج، وطريق السلام داخل”. (Axios) هذه ليست لغةَ تسويةٍ بل لغةُ إقصاء: انتزاعُ الملفّ اللبنانيّ من مظلّته الإقليمية التي دفعنه للأمام, والإكتفاء بمعالجتُه ثنائيًّا بعد تصفير الطرف الذي يملك وحده القدرة على إفشاله أو تنفيذه!.


في قلب الاتفاق مفارقةٌ تأسيسية: إنّه يَعِد بما لا يملكه من موقّعه. فبيروت تتعهّد بنزع سلاحٍ لا سلطة ولا قدرة لها عليه، وتُسلّم مصير جنوبها لتقدير دولةٍ ذات باع تاريخي معها تُبقي “منطقتها الأمنية” ما دام السلاح لم يُنزَع. ولهذا فإنّ استعصاءها على التنفيذ ليس ثغرةً عَرَضية بل وظيفتُه المضمَرة: اتفاقٌ يَعِد بالمتعذِّر لا يُصاغ ليُطبَّق، بل ربما على الارجح ليُحتفَظ به كورقةً. وهذا ما التقطته طهران فورًا حين اعتبرته متناقضًا مع مذكّرة إسلام آباد، على أساس أنّ تلك المذكّرة تُنهي الحرب “على كلّ الجبهات بما فيها لبنان”.


ولأنّ هذا التحليل يقوم على أداةٍ مفهومية ، يجدر تثبيتها أوّلًا. تنتمي الحجّة هنا إلى أدبيات تحليل الصراعات اللامتماثلة، التي تنقض المعادلة الكلاوزفيتزية القائلة بأنّ الغاية هي احتلالُ أرض الخصم وتثبيتُ السيطرة عليها. ففي هذا الحقل، تُقاس الغلبة بقدرة الطرف الأضعف على حرمان الأقوى من تحويل تفوّقه الناريّ إلى نتيجةٍ سياسية: لا بالانتصار في الاشتباك، بل بإطالته حتى يصير الحضورُ ذاته كلفةً. على هذا الأساس، لا يُقرأ الاتفاق الإطاريّ هنا بوصفه وثيقةً قانونية تُقاس بمدى تطبيقها، بل بوصفه بنيةً استراتيجية تُقاس بما تُنتجه آليّاتُها على الأرض بصرف النظر عن وعودها المعلنة.
وتنطلق المقالة من فرضيةٍ مفادها أنّ الاتفاق الإطاريّ مؤسَّسٌ أولًا على مغالطةٍ مزدوجة: مغالطةٍ سياسية تَفترض أنّ المسار اللبنانيّ قابلٌ للفصل عن المسار الإيرانيّ، ومغالطةٍ عسكرية تَفترض أنّ الحضور الميدانيّ الإسرائيليّ رصيدُ ضغطٍ يتراكم لمصلحة حامله. المغالطتين هنا ليستا منفصلتين، بل وجهان لآليّةٍ واحدة: الفصل السياسيّ يُنتج، على الأرض، نقيضَه؛ التثبيت العسكريّ يُنتج، على الطاولة، الورقةَ التي تُبقي الصراع قائمًا.


أوّلًا: منطق الصفقة — الفصل الأمريكيّ والوصل الإيرانيّ
الوظيفة السياسية للاتفاق هي الفصل: انتزاعُ لبنان من المظلّة الإيرانية ومعالجتُه ثنائيًّا. ومن الدقّة المنهجية ألّا يُنسَب هذا الفصل إلى بيروت بوصفه مناورةً او محاولة سيادية منها، فهو تصميمٌ أمريكيّ–إسرائيليّ وقّعت عليه السلطة من موقع الضعف لا من موقع المبادرة. والدليل أنّ جوزيف عون نفسه، بُعَيد التوقيع، كان يطلب من واشنطن أن تضغط على إسرائيل كي تنسحب من الجنوب (The Times of Israel) — وهذا سلوك طرفٍ مُقيَّد يحاول انتزاع انسحاب، لا سلوك مَن يملك زمام فصل المسارات. أمّا الصيغة القائلة إنّ “السلطة اللبنانية فصلت المسارات” فهي في جوهرها أداةٌ بلاغية تجرّد بيروت من فاعليتها وتُحمّلها وزر قرارٍ لم تصنعه.
وفي مواجهة هذا الفصل، تؤدّي طهران الحركةَ المعاكسة تمامًا: إعادةَ اللحم. وقد بلور عراقجي هذه الصيغة حين أعلن أنّ طرفَي التفاهم هما الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، وأنّ أيّ بقاءٍ أو ضربةٍ إسرائيلية يُعدّ خرقًا للمذكّرة. نحن إذن أمام تنازعٍ على “محيط الصفقة”: واشنطن تُضيّقه لتُخرج طهران، وطهران تُوسّعه لتُعيد إدراج نفسها ببند قد يحرجها لاحقا في مسار الستين يومًا. والبرهان على أنّ الفصل ناقصٌ حتى مؤسّسيًّا أنّ الطرفين الأمريكيّ والإيرانيّ أنشآ معًا “خلية لفضّ الاشتباك” خاصّة بلبنان؛ أي جسرًا بين مسارين يُفترض أنّهما منفصلان. فالمغالطة السياسية تكمن هنا: معاملةُ مسارين بوصفهما قابلَين للعزل، بينما يربط بينهما جسرٌ مؤسّسيّ واقترانٌ استراتيجيّ يأبى الفصل.


ثانيًا: التوغل بوصفه استدراجًا
لكنّ العطب الأعمق في الاتفاق ليس قانونيًّا ولا سياسيًّا، بل عقائديًّا–عسكريًّا؛ إذ يقوم بأكمله على افتراضٍ صامتٍ مفاده أنّ الحضور الميدانيّ الإسرائيليّ رصيدُ ضغطٍ يتراكم لمصلحة حامِله. وهذا الافتراض هو ما تنقضه عقيدة الحرب اللامتماثلة من جذورها وسياقها المُعاش لليوم.
خلاصة الميدان أنّ المعيار الحاسم ليس القدرة على الدخول، بل القدرة على البقاء والتثبيت وتحمّل كلفتهما العالية. فالدخول فعلٌ لحظيّ يملكه صاحب التفوّق الناريّ متى شاء؛ أمّا البقاء فاختبارٌ ممتدّ في الزمن والتضاريس، فيه وحده يتقرّر مَن يملك الأرض فعلًا. وعلى هذا المحكّ تنهار رافعة الاتفاق الاساسية: إذ يبني ضمانتَه على حضورٍ ميدانيّ يَفترض أنّ امتلاك النقطة هو امتلاكها، بينما الفيصل في الحرب اللامتماثلة هو القدرة على حمل تكاليف البقاء فيها وصرف ذلك ميدانيًا وسياسيًا— وهي القدرة التي يستنزفها الخصم عمدًا بدل أن ينازع عليها مباشرة.
في الحرب التقليدية يُقاس النصر بالقدرة على احتلال الأرض وتثبيت السيطرة على نقاطها الاستراتيجية. أمّا في الحرب اللامتماثلة فتنقلب المعادلة: لا تُمانع المقاومةُ توغّل خصمها في العمق، بل قد تستدرجه إليه عمدًا، لأنّ احتفاظ الجيش النظاميّ بأرضٍ معاديةٍ مكشوفةٍ يحوّل تفوّقه النيرانيّ إلى عبءٍ لوجستيّ وبشريّ يُستنزَف يومًا بيوم وساعة بساعة. وهذه ليست استنتاجًا نُسقطه على الحزب من خارج، بل عقيدةٌ قتالية أعلنها قادتُه وكرّروها حتى صارت من ثوابت خطابهم: أنّ التوغّل البرّيّ ليس تهديدًا يُخشى بل مقتلةٌ مرغوبة تُستدرَج إليها الأفراد والمدرّعات، وأنّ الدفاع يتجاوز صدّ الاجتياح إلى المبادرة بالهجوم. وقد اختُبر هذا المنطق ميدانيًّا في تموز 2006 الى اليوم، حين تحوّل كلّ توغّلٍ برّيّ إلى كمينٍ في تضاريس مُعدّةٍ سلفًا، ويتجدّد التذكير به في كلّ جولةٍ منذئذٍ بوصفه استراتيجيةً معلَنةً لا تُخفى.
وبهذا المنظار تنقلب وظيفة “المنطقة الأمنية” التي يتمسّك بها الاتفاق. فما يقدّمه النصّ بوصفه ضمانةً لإسرائيل — بقاؤها في الشريط حتى نزع السلاح — هو بالضبط ما يطلبه منطقُ الخصم: حضورٌ ثابتٌ يمنح المقاومةَ هدفًا قارًّا_ اي المُستقر، ويُبقي إسرائيل في الملعب الذي اختارته المُقاومة. والدليل البنيويّ على هذا العجز ليس في خطاب المقاومة بل في نقد خصوم نتنياهو أنفسهم، حين أقرّوا بأنّ إسرائيل “أخفقت في استثمار إنجازاتها العسكرية”؛ (Al Jazeera) أي أنّها قادرةٌ على الإغارة والتدمير، عاجزةٌ عن التثبيت والتحويل السياسيّ. فالقدرة على ضرب نقطةٍ شيء، والقدرة على إمساكها وتحويلها إلى أمرٍ واقعٍ تفاوضيّ شيءٌ آخر تمامًا.
وهنا تتّضح المغالطة المؤسِّسة: الاتفاق يبني رافعتَه التفاوضية على أصلٍ — الحضور الميدانيّ — هو في حساب الحرب اللامتماثلة خصمٌ لا أصل. فكلّما طال بقاء إسرائيل في الشريط لتحصيل “نزع السلاح”، اقتربت من الفخّ الذي يريدها فيه خصمُها، وتحوّل الضمان المكتوب على الورق إلى استنزافٍ مُكلف على الأرض.


ثالثًا: الاقتران العموديّ — من البقاع إلى هرمز
لو ظلّ منطقُ الاستدراج محصورًا في الجنوب لبقي اشتباكًا طرفيًّا يُدار بالاستنزاف المُتبادَل. غير أنّ ما يمنح موقعَ المحور صلابتَه ليس عمقَه المحلّيّ بل قابليّتُه للاقتران العموديّ: قدرتُه على رفع الرهان من تماسٍ حدوديّ إلى رافعةٍ على الاقتصاد العالميّ، صعودًا من البقاع إلى مضيق هرمز في حركةٍ واحدة متّصلة.
تبدأ هذه الحركة من إعادة قراءة الجغرافيا. فإذا صحّ أنّ ثقل المقاومة في البقاع هجوميّ لا دفاعيّ، فإنّ دلالته تتجاوز الدفاع عن الجنوب إلى تأمين الممرّ السوريّ–اللبنانيّ، شريانِ المحور التاريخيّ الذي عبره تدفّق السلاح والمقاتلون عقودًا. وهنا يصبح العامل السوريّ هو المتغيّر الحاكم في المعادلة كلّها، لا عنصرًا مكمّلًا. فسقوط النظام السوريّ القديم قطع هذا الشريان وحوّل البقاع من عمقٍ آمنٍ إلى جبهةٍ خلفية شبه مكشوفة؛ ومن هنا يُفهَم التحوّل الهجوميّ المفترَض بوصفه محاولةً لإعادة تثبيت الممرّ لا الدفاع عن الجنوب فقط. وحين يطرح ترامب نفسه فكرةَ أن تدخل سوريا لتفكيك الحزب، تكتمل صورة البقاع بوصفه المسرح الذي يتقرّر عنده مصير المحور: فإمّا أن تنجح الضغوط في إبقاء الشريان مقطوعًا عبر سلطةٍ سورية جديدة معادية للحزب، وإمّا أن يفرض الحزب وصلًا جغرافيًّا جديدًا بالقوّة, دون ان ننسى ان هذا يتوقف حاليًا على مبادرة التدخل من الجانب السوري كبادئ تحت الضغوط دون حسم النوايا والحسابات. وبهذا ينقلب توصيف الاتفاق رأسًا على عقب: ما قُدِّم بوصفه “فصلًا للمسارات” السياسية يُنتج على الأرض نقيضَه في حال تدخلت السلطة الحالية في دمشق— ويؤسس صراعًا مفتوحًا على وصل الممرّات الجغرافية، يكون فيه التحرّك اللبنانيّ الداخليّ امتدادًا لإعادة ترتيب الإقليم الى ما بعد سوريا.
ثمّ تصعد الحركة درجةً أخرى. فالطرف الذي يُكبِّل أقوى جيوش المنطقة في الجنوب هو ذاته المقترن بطرفٍ إيرانيٍّ صامدٍ يمسك بأخطر ممرّات الطاقة في العالم. وليست هذه فرضيةً نظرية: فقد أعادت طهران إغلاق المضيق على خلفية القتال في لبنان، في برهانٍ عمليّ على أنّ اشتباكًا في قريةٍ جنوبية يمكن أن يُترجَم خنقًا لشريان النفط العالميّ. هنا تكمن الصلابة الحقيقية لموقع المحور: لا في عدد صواريخه بعد الاستنزاف، بل في هذه الرافعة العمودية التي تجعل كلفةَ تصعيدٍ محلّيٍّ ضدّه كلفةً كونية.
وبهذا تنغلق الحلقة التي تجعل فصل المسارين مستحيلًا. التثبيت الميدانيّ الذي يستدرجه منطقُ الحرب اللامتماثلة لا يُنتج استنزافًا عسكريًّا فحسب، بل يُنتج الورقةَ التفاوضية ذاتها: فكلّ يومٍ يبقى فيه الاحتلال في الشريط هو يومٌ يصعد فيه احتمالُ الاقتران العموديّ نحو هرمز، وكلّ تلويحٍ بهرمز يرفع ثمنَ بقاء إسرائيل في الجنوب. الاستدراج العسكريّ والمقايضة الاقتصادية ليسا مرحلتين متعاقبتين بل وجهان لآليّةٍ واحدة، ولهذا فإنّ واشنطن حين تضع “الهدوء اللبنانيّ” ورقةً في جيبها لطاولة الستين يومًا، إنّما تمسك بطرفٍ واحدٍ من حبلٍ طرفُه الآخر بيد المحور — والطاولة بينهما، لا فوق لبنان وحده.


رابعًا: الداخل اللبنانيّ — نظامٌ بلا مركزٍ سياديّ
يقوم الاتفاق على افتراضٍ ثالثٍ لا يقلّ هشاشةً عن سابقَيه: أنّ ثمّة مركزًا سياديًّا لبنانيًّا قادرًا على “بسط سلطة الدولة” ونزع السلاح. وهذا قراءةٌ مغلوطة لطبيعة النظام اللبنانيّ. فالسيادة في لبنان ليست نقصًا ينتظر مَن يملؤه، بل إنّ النظام مؤسَّسٌ على غياب المركز السياديّ ذاته؛ توازنُ الفيتوات الطائفية هو النظام لا عُطْله. وأيّ مقاربةٍ تتعامل مع الدولة بوصفها فاعلًا موحَّدًا يحتكر قراره إنّما تُسقط نموذجًا نظريًّا على بنيةٍ تأبى ذلك النموذج. الفاضح المُقلق أكثر أن أمريكا هي أكثر ما يعلم هذه الحقيقة اللبنانية المرة, وهنا يقتحم سؤالًا صلب المقال والاتفاق الاطاري, هل الزهو بإتفاق فككناه اعلاه, هو ورقة تفاوضية ضدّ ايران فقط أم يتطوّر ليصبح صدام بين من هو مع وضدّ؟!
وعلى هذا الأساس، لا يمكن النظر إلى الجيش بوصفه أداةً محايدة لـ”بسط السلطة”. فتماسكُه نفسه دالّةٌ على التوازن الطائفيّ، وأيّ دفعٍ له نحو مواجهة الحزب يفكّك المؤسّسة قبل أن يفكّك السلاح. ولهذا فإنّ تحذير نائب الحزب من أنّ فرض الاتفاق بغطاءٍ أمريكيّ سيقتضي حربًا أهلية ليس بلاغةً تخويفية، بل رسمٌ دقيقٌ لخطّ الصدع: حيث يصبح تمويل واشنطن المباشر للمؤسّسة العسكرية، بوصفها أداةَ بسط السلطة، هو ذاته ما يضعها بنيويًّا في مواجهةٍ تهدّد وحدتها.
وهنا يتّضح لماذا يغدو الحديث عن “السيادة بصرامةٍ متجرّدة” نكتةً تحليلية: لأنّه يفترض مركزًا قراريًّا لم يُوجَد أصلًا. هنا يسجّل لقائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وعيّهُ لهذه البديهيات اللبنانية المركبة .

الاتفاق يطالب الدولة باحتكار العنف — وهو احتكارٌ لا تملكه بنيويًّا — ثمّ يبني عليه التزاماتٍ تنفيذية. وهذا ما يُذيب أيّ قراءةٍ متفائلة ترى في الاتفاق “جدار حماية” يعزل لبنان عن الإقليم؛ فالجدار يستلزم احتكارًا للقوّة لا تملكه الدولة، ومن دونه يتحوّل “العازل” المفترَض إلى ساحةٍ مفتوحة للصدام بالوكالة.


خامسًا: مآلات الستين يومًا
يتنازع قراءةَ مستقبل الاتفاق تأويلان. التأويل المتفائل، الذي يقدّمه مؤيّدوه, يرى في الفصل المساريّ عازلًا يمنح لبنان مخرجًا سياديًّا مستقلًّا عن مصير الملفّ النوويّ الإيرانيّ. أمّا التأويل الذي يقود إليه تحليلنا فيرى العكس: أنّ الفصل يحوّل لبنان إلى ملحقٍ في تسويةٍ أمريكية–إيرانية أوسع، وهو ما نبّه إليه كثيرين ونحن منهم, حين رأوا أنّ الخطر الأكبر ليس أن يُفجّر لبنان الصفقة، بل أن يُختزَل إلى تابعٍ في صفقةٍ ليس طرفًا فيها.
ضمن نافذة الستين يومًا — القابلة للتمديد بالتراضي — تتراءى ثلاثة مسارات. أوّلها أن تتقدّم المفاوضات، فيُصرَف “الهدوء اللبنانيّ” تنازلًا على الطاولة، ويرتفع الضغط لنزع السلاح، فينفتح خطر الجبهة الداخلية. وثانيها أن تنهار المفاوضات، فتُستنفَد ورقة الإطار، وتستأنف إسرائيل عملياتها — وقد جدّدت ضرباتها على لبنان بُعَيد التوقيع فعلًا — فيُعاد تنشيط الاقتران العموديّ نحو هرمز. وثالثها، وهو الأرجح، المنطقة الرمادية: لا حسمٌ ولا حربٌ مفتوحة، بل استنزافٌ مُدار يمسك فيه كلّ طرفٍ برافعته دون أن يجرؤ على سحبها كاملةً.
أمّا التباين الأمريكيّ–الإسرائيليّ فليس عائقًا أمام تحوّل لبنان إلى ورقة، بل وقودٌ له. فحين يُبدي ترامب امتعاضه من إدارة نتنياهو لحربه ويردّ وزيرٌ إسرائيليّ بأنّ “اتفاق ترامب لا يُلزمنا”، ترتفع قيمة لبنان رافعةً، لأنّ واشنطن باتت تحتاج وسيلة ضغطٍ على إسرائيل أيضًا, لا على طهران وحدها. ويبقى العامل المرجِّح هو الممرّ السوريّ ومسألة ما إذا كان البقاع سينتقل إلى وضعٍ هجوميّ بعد الدفاع — وهو ما يحوّل المشهد، إن وقع، من فصلٍ للمسارات إلى وصلٍ للممرّات.


خاتمة
لا يحلّ الاتفاق الإطاريّ الصراع، بل يُعيد توطينه: يَنقله من مسارٍ سياسيّ يُفترَض أنّه قابلٌ للفصل إلى تضاريس عسكرية تُعيد لحم المحور. استعصاؤه على التنفيذ وظيفتُه لا عطبُه؛ وتثبيتُه الميدانيّ فخُّه لا رصيدُه؛ وافتراضُه وجودَ مركزٍ سياديّ لبنانيّ وهمٌ مؤسِّس. وعلى الأرجح لن تنتهي الستين يومًا بسلامٍ ولا بحربٍ مفتوحة، بل برافعةٍ يمسك بها الجميع ولا يسحبها أحد — إلى أن يُخطئ أحدهم التقدير.

مؤسس مركز كلمة للدراسات الجيوسياسية .