
الجيش اللبناني المكبَّل: في أزمة الوظيفة والشرعية والمعنويات
علي فضّة
مدخل: الحادثة بوصفها كاشفًا لا استثناءً
في الثامن عشر من أيلول 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد جنودًا من الجيش اللبناني داخل ما يسمّيه “المنطقة الأمنية” في الجنوب، واتّهمهم بإقامة حواجز دون تنسيق مسبق، وقال إنه أبلغهم بوجوب المغادرة ثم أبعدهم حين لم يستجيبوا، معلنًا أنه يتوقّع امتناع الجيش اللبناني عن دخول تلك المنطقة مستقبلًا. تبدو الواقعة في ظاهرها حادثة ميدانية ضمن سلسلة خروقات، غير أن قراءتها على هذا النحو تعني قبول الإطار الذي أنتجها. فالسؤال الذي تطرحه ليس “لماذا حدث هذا؟” بل “ما الذي جعل حدوثه ممكنًا ومقبولًا ضمنًا؟”، أي: ما الذي يبقى من وظيفة الجيش الوطني حين يُطلب منه مغادرة أرضه بإنذار من عدوّه المعلن؟
ولا بدّ من تحديد منطلق هذه المقالة بدقّة منعًا لأيّ التباس: إن دور الجيش اللبناني وعقيدته القتالية ودوره الوطني ليسوا موضع تشكيك. فالعقيدة التي تسمّي إسرائيل عدوًّا سليمة في أساسها، والمؤسّسة أثبتت في محطّات عديدة استعداد أفرادها للتضحية. موضع الإشكال هو التكبيل: جملة القيود السياسية والتسليحية والتفاوضية التي تحول بين هذه العقيدة وبين ترجمتها فعلًا. وأطروحة المقالة أن هذا التكبيل يُنتج تعريفًا سلبيًّا للجيش، يُحدَّد فيه دوره بما يُحظر عليه لا بما يُكلَّف به، وأن استمرار هذا التعريف يقود إلى تآكل المعنويات، والجيش بلا معنويات ليس جيشًا قادرًا على الاستمرار. وتميّز المقالة، حيث يلزم، بين الوقائع المثبتة والتقديرات التحليلية.
أولًا: في وظيفة الجيش الوطني
لا يُعرَّف الجيش الوطني ببنيته التنظيمية أو بعديده، بل بالوظيفة التي يؤدّيها ضمن كيان الدولة. ومن المسلّمات في الفكر السياسي الحديث أن الدولة تقوم على احتكار الاستخدام المشروع للقوّة ضمن إقليم محدّد، وأن الجيش أداة هذا الاحتكار في مواجهة الخارج. والعنصر الحاسم هنا ليس الاحتكار وحده بل اقترانه بالإقليم كاملًا: فالاحتكار الذي يتوقّف عند حدود يرسمها طرف خارجي ليس احتكارًا منقوصًا فحسب، بل هو دليل على سيادة منقوصة. ومن هنا يقع الخلل في كلّ خطاب يقصر مفهوم “حصرية السلاح” على البعد الداخلي، لأنه يأخذ نصف المعادلة ويُسقط نصفها الآخر.
وثمّة مسلّمة ثانية لا تقلّ أهمية: الجيش أداة لغاية سياسية، ولا غاية مستقلّة له عنها. فإذا لم تحدّد له السلطة السياسية غاية واضحة، فقد معناه بوصفه أداة، وتحوّل إلى مؤسّسة قائمة بذاتها تبحث عن وظيفة، أو تُمنح وظيفة من خارج نظامها السياسي.
أمّا المسلّمة الثالثة فقد صاغها نيكولو ماكيافيلي في “الأمير” بوضوح لافت، حين ميّز بين الجيوش الذاتية والجيوش المرتزقة والجيوش “المساعدة” التي يستعيرها الحاكم من قوّة أجنبية. واعتبر هذا النوع الأخير الأخطر على الإطلاق، لأن الحاكم إن انتصر به صار رهينة لمن أعاره، وإن هُزم هُزم معه. ورأى أن الأمير الحكيم يفضّل الهزيمة بسلاحه على النصر بسلاح غيره، لأن النصر المستعار ليس نصرًا حقيقيًّا. والدرس الماكيافيلي الأعمق أن السلاح الذي تتحكّم جهة خارجية في شروطه ليس سلاحك تمامًا، حتى لو حمله جنودك. وأضاف ماكيافيلي في مواضع أخرى من كتاباته أن أساس كلّ دولة قوانين صالحة وسلاح صالح، وأنه لا قوانين صالحة حيث لا سلاح صالح.
من هذه المسلّمات يمكن استخلاص تعريف وظيفي للجيش الوطني: أداة سيادية تحتكر القوّة المشروعة على كامل الإقليم، وتخضع لغاية سياسية تحدّدها سلطة وطنية، وتمتلك قدرة غير مشروطة بإرادة خارجية. وكلّ قيد يُفرض على أحد هذه العناصر الثلاثة يُنتج شكلًا من أشكال التكبيل.
ثانيًا: التعريف السلبي، عقيدة سليمة ووظيفة مكبّلة
المقصود بالتعريف السلبي أن تتحدّد هوية المؤسّسة العسكرية ودورها أساسًا من خلال قائمة المحظورات والسقوف والمناطق الممنوعة، لا من خلال مهمّة إيجابية تسعى إلى تحقيقها. الجيش المعرَّف إيجابيًّا يُسأل: ماذا أنجزت؟ أمّا الجيش المعرَّف سلبيًّا فيُسأل: هل التزمت الحدود المرسومة لك؟
ومن الضروري التمييز هنا بين مستويين كثيرًا ما يُخلط بينهما: مستوى العقيدة ومستوى الوظيفة. فالتعريف السلبي في الحالة اللبنانية لا ينبع من عقيدة الجيش ولا من ثقافته المؤسّسية، بل يُفرض عليه من خارجه: من الترتيبات الدولية، ومن شروط التسليح، ومن بنية القرار السياسي. أي أننا أمام جيش ذي عقيدة قتالية إيجابية يُحشر في وظيفة سلبية. وهذا الانفصام بين ما يُلقَّن للجندي عن عدوّه وما يُطلب منه في الميدان هو جوهر المشكلة، لأنه لا يُضعف القدرة فحسب، بل يستنزف المعنى والقدرة.
ولهذا التمييز أثر مباشر في معيار التقييم. فالجيش المكبَّل يُكافأ على الامتناع ويُحاسَب على المبادرة، ويُقاس “نجاحه” بعدد الأزمات التي تجنّبها لا بالسيادة التي صانها. وتصبح عبارة “ضبط النفس” في هذا السياق ليست توصيفًا لقرار تكتيكي في لحظة معيّنة، بل قيدًا تشغيليًّا دائمًا. وتتناول الأقسام التالية مستويات هذا التكبيل تباعًا.
ثالثًا: التكبيل الميداني، من الانتشار إلى الإنذار
على مستوى النصوص التأسيسية، الأمور واضحة. فوثيقة الوفاق الوطني في الطائف ألزمت الدولة باتّخاذ الإجراءات اللازمة كافّة لتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وبُنيت عقيدة الجيش بعد الحرب الأهلية على هذا الأساس. غير أن الممارسة الفعلية سلكت مسارًا مختلفًا منذ القرار 1701 عام 2006، الذي ربط انتشار الجيش جنوب الليطاني بمهمّة ضبط منطقة خالية من السلاح غير الشرعي، بالتنسيق مع قوّات الأمم المتحدة المؤقّتة. ثم جاءت ترتيبات وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 لتعمّق هذا المنحى، وصولًا إلى “الإطار الثلاثي” الراهن.
وفي هذا الإطار، انتشر الجيش في 21 تموز الماضي في بلدة زوطر الغربية، إحدى المنطقتين التجريبيتين، بعد انسحاب القوّات الإسرائيلية من أطرافها. غير أن الأمر لم يتوقّف عند الانتشار، إذ تكشف التقارير أن إسرائيل تضع الجيش أمام معادلة: إمّا توسيع التفتيش ليشمل المنازل والمنشآت الخاصّة والخضوع لآلية رقابة لم تُحسم طبيعتها، وإمّا إبقاء انسحابها معلّقًا بحجّة عدم اكتمال نزع السلاح. وفي السياق ذاته، أعلن مسؤول عسكري إسرائيلي أن جيشه لن ينسحب من الجنوب ما دام ما يصفه بتهديد حزب الله قائمًا.
الدلالة البنيوية لهذه الوقائع أن الجيش اللبناني يُطلب منه أداء وظيفتين متعاكستين في آن: وظيفة دفاعية تجاه عدوّ معلن في عقيدته، ووظيفة تنفيذية لترتيبات أمنية يضع هذا العدوّ نفسه معايير نجاحها ويحتفظ بحقّ الحكم على نتائجها. وبذلك يتحوّل الجيش، في الجنوب تحديدًا، من قوّة دفاع إلى قوّة ضبط، تُطبَّق وظيفتها في مواجهة المجتمع المحلّي لا في مواجهة مصدر التهديد.
وحادثة 18 أيلول تكشف الحدّ الأقصى لهذا المنطق: حين يحاول الجيش ممارسة حضوره خارج المساحة المرسومة له، ولو في أرضه، يُعامَل بوصفه متجاوزًا. أي أن “المنطقة الأمنية” تحوّلت من ترتيب مؤقّت إلى حيّز يُحظر فيه الجيش الوطني ذاته. وهذا هو التكبيل في أوضح صوره: ليس المحظور نوعًا من السلاح، بل الحضور المسلّح اللبناني بحدّ ذاته، رسميًّا كان أم غير رسمي.
رابعًا: التكبيل التسليحي، العجز المُصمَّم
هذا المستوى هو الأقلّ حضورًا في النقاش اللبناني العامّ، مع أنه ربّما الأكثر حسمًا. فالجيش اللبناني يعتمد في تسليحه وتدريبه بصورة جوهرية على المساعدات الخارجية، والأميركية منها في المقام الأول. ويَمنع التسليح بالمقابل على غيره, أي أن الأمريكي لا يكتفي بتحديد التسليح بل يمنع حتى من المساعدة او المبادرة في تسليح الجيش الوطني من غير مصدره هو, وفي المقابل، كرّس الكونغرس الأميركي منذ عام 2008 التزامًا قانونيًّا بالحفاظ على “التفوّق العسكري النوعي” لإسرائيل في المنطقة، ويُلزم هذا القانون الإدارة الأميركية بتقييم أثر أيّ صفقة تسليح لدول الشرق الأوسط على هذا التفوّق.
هذه وقائع قانونية ثابتة. أمّا التقدير التحليلي المبني عليها، فهو أن سقف القدرات المتاحة للجيش اللبناني مصمَّم بحيث لا يبلغ عتبة الردع تجاه إسرائيل تحديدًا، مع السماح بقدرات كافية لمهمّات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود. والشواهد العملية كثيرة, منها مثلًا لا حصرًا على ذلك غياب منظومة دفاع جوّي فعّالة عن ترسانة الجيش، رغم أن الأجواء اللبنانية تُنتهك بصورة شبه يومية منذ عقود.
والنتيجة المفهومية أن الجيش ليس عاجزًا عجزًا عرضيًّا يمكن تداركه بزيادة الموازنة أو تحسين التدريب، بل هو مكبَّل وظيفيًّا بشرط تمويله. وهنا يعود تحذير ماكيافيلي بكامل راهنيّته: السلاح الذي تحدّد جهة أجنبية سقفه ووجهة استعماله يقترب من نموذج “الجيش المساعد” أكثر ممّا يقترب من نموذج “الجيش الذاتي”، حتى لو كان جنوده جميعًا من أبناء البلد وعقيدتهم وطنية خالصة. فالعقيدة تحدّد من هو العدوّ، لكن السلاح المشروط يحدّد ما يمكن فعله تجاهه.
ومن هنا تنشأ مفارقة في خطاب “حصرية السلاح”: فالمطالبة بأن تكون الدولة الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح، دون طرح سؤال مصدر هذا السلاح وشروط استخدامه، هي في المحصّلة مطالبة بحصرية العجز في مواجهة الخارج. والطرح المتّسق لحصرية السلاح يستوجب طرحًا موازيًا لاستقلالية مصادره، وإلّا تحوّل إلى نزع للقدرة الوطنية الكلّية لا إلى توحيدها.
خامسًا: التكبيل المرجعي، الجيش المصون بعدم استعماله
على المستوى الدستوري، تنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوّات المسلّحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء. وتدرج المادة 65 قرارات الحرب والسلم وإعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامّة والاتفاقات والمعاهدات الدولية ضمن “المواضيع الأساسية” التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء الحكومة.
هذه الهندسة الدستورية، التي أُريد لها أن تكون ضمانة للشراكة الوطنية، تعني عمليًّا أن استخدام الجيش في مواجهة خارجية مشروط بتوافق واسع داخل نظام لم تتّفق مكوّناته يومًا على أولويات المواجهة وأدواتها. فالقرار العسكري السيادي لا يُتّخذ في مؤسّسة تنفيذية ذات إرادة واحدة، بل يُستخلص من تسوية بين إرادات متعدّدة، وكثيرًا ما تكون التسوية الممكنة الوحيدة هي عدم اتّخاذ القرار.
وقد نتج عن ذلك تحوّل خطير في مصدر شرعية الجيش. فهو يُقدَّم في الخطاب العامّ بوصفه “المؤسّسة الجامعة الأخيرة” والضامن لوحدة البلاد، وهذه صورة صحيحة في جانب منها. غير أن هذه الشرعية باتت مستمدّة إلى حدّ بعيد من امتناعه عن المهمّات الخلافية. أي أن وحدة الجيش مصونة بقدر ما لا يُستعمل في ما يقسم اللبنانيين وهذا قرار الجيش غالبًا، ولمّا كانت أدوات المواجهة الخارجية نفسها موضع خلاف داخلي، صار الامتناع في المواجهة شرطًا لبقاء الجيش موحّدًا. وهكذا يتحوّل الحياد من فضيلة مؤسّسية إلى قيد بنيوي، ويصبح أفضل ما يمكن أن يفعله الجيش لحماية نفسه هو ألّا يفعل. وهذا قيد لم يختره الجيش، بل ورثه من عجز الطبقة السياسية عن الاتفاق على تعريف إيجابي لوظيفته.
سادسًا: نسَب الشرعية، من الاستثناء الوظيفي إلى الحصرية بلا قدرة
لا يكتمل فهم التكبيل الراهن دون تتبّع الكيفية التي تكوّنت بها منظومة الدفاع اللبنانية خلال العقود الثلاثة الماضية، لأن الفراغ الذي كشفته حادثة أيلول هو نتاج هذا المسار.
في السند المبدئي. ينسجم حقّ الشعوب في الدفاع عن أرضها ومقاومة الاحتلال، المستند إلى مبدأ تقرير المصير الذي أرساه ميثاق الأمم المتحدة وإلى ما استقرّ عليه العرف الدولي، مع بنية النظام اللبناني وتجربته. ويكتسب هذا الحقّ مضمونه العملي حين تعجز الدولة عن ممارسة واجب الدفاع أو تُمنع منه، ففي غياب الدولة عن هذه الوظيفة لا تعارض بين حقّ الشعب وسيادتها، بل تكامل تفرضه الضرورة.
في الطائف. نصّت وثيقة الوفاق الوطني على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، ولم تستثنِ أحدًا بالاسم. غير أن المشروعية نيلت سياسيًّا، إذ تعاملت الدولة بعد الطائف مع سلاح المقاومة بوصفه أداة تحرير لا ميليشيا، استنادًا إلى التزام الوثيقة نفسها باتّخاذ الإجراءات اللازمة كافّة لتحرير الأرض. وقد ارتضى اللبنانيون هذا التمييز لأن للسلاح دورًا وظيفيًّا واضحًا في ظلّ احتلال قائم. فالاستثناء لم يكن امتيازًا لجهة، بل اعترافًا بوظيفة.
في تفاهم نيسان. جاء تفاهم نيسان 1996، إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان في ذلك الشهر، ليمنح هذه الوظيفة غطاءً دوليًّا بحكم الواقع. فالتفاهم حصر الالتزامات في تحييد المدنيين والأهداف المدنية من الجانبين، واحتفظ لكلّ طرف بحقّ الدفاع عن النفس، ما يعني ضمنًا أن العمل المقاوم ضدّ قوّات الاحتلال داخل الأرض اللبنانية المحتلّة خارج نطاق الحظر. ورغم أن التفاهم تحدّث عن “المجموعات المسلّحة” دون تسمية، فإن المخاطَب الفعلي به كان حزب الله، بوصفه الجهة التي كانت تنفرد عمليًّا بالعمل المقاوم آنذاك. ثم إن لجنة المراقبة المنبثقة عنه ضمّت الولايات المتحدة وفرنسا إلى جانب سوريا ولبنان وإسرائيل، فكان ذلك اعترافًا دوليًّا بحكم الواقع بشرعية العمل المقاوم ضدّ الاحتلال.
في أيار 2008 وما بعده. يتذرّع خطاب نزع الشرعية بأحداث 7 أيار 2008 للقول إن السلاح فقد مشروعيته الوظيفية حين استُعمل في الداخل. غير أن هذه الحجّة تُغفل التسلسل: ففي 5 أيار اتّخذت الحكومة قرارًا بتفكيك شبكة الاتصالات السلكية التابعة للمقاومة، في مسّ مباشر ببنية دفاعية أساسية “سلاح الاشارة”. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة مركزية الاتصالات الآمنة في أيّ منظومة دفاعية، إذ كشفت مجزرة أجهزة النداء واللاسلكي ” البيجر” في أيلول 2024 حجم الكلفة التي يمكن أن تترتّب على اختراق هذا المجال، وإن جاء ذلك الاختراق عبر سلسلة توريد الأجهزة لا عبر الشبكة السلكية ذاتها. فالخلاف حول حدث داخلي لا يُسقط بذاته مشروعية الوظيفة الخارجية، والدليل أن الطبقة السياسية نفسها، بعد اتفاق الدوحة، أدرجت معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الوزارية المتعاقبة على مدى سنوات.
في منظومة الردع. لم تكن هذه المعادلة مجرّد صيغة لفظية في البيانات الوزارية، بل منظومة ردع اختُبرت بالتجربة. والشاهد الأبرز على ذلك الهدوء النسبي الذي ساد الحدود الجنوبية بين 2006 و2023، أي سبعة عشر عامًا دون حرب واسعة، وهي من أطول الفترات من نوعها في تاريخ الصراع على هذه الجبهة. لقد قامت المعادلة على تقسيم عمل غير معلن: المقاومة تتولّى وظيفة الردع، والجيش يتولّى الأمن الداخلي ويؤمّن الحضور الرسمي للدولة. غير أن هذا التقسيم لم يُمأسَس قطّ في استراتيجية دفاعية وطنية، رغم طاولات الحوار المتعاقبة منذ 2006. فبقيت المعادلة سياسية تأويلية، تُكتب في بيان وزاري ويمكن أن تُمحى في بيان وزاري آخر, لكن الراسخ في لبنان اختبارًا هو العرف لا النص وحده.
في التفريغ والإسقاط. وهذا ما حدث فعلًا. فقد جرى تفريغ المعادلة من مضمونها تدريجيًّا في السجالات الداخلية على امتداد سنوات، حتى أسقط البيان الوزاري الصادر في شباط 2025 بند المقاومة للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين عامًا، مشدّدًا على احتكار الدولة للسلاح، ثم تلته قرارات حكومية تكلّف الجيش إعداد خطّة لحصر السلاح. واحتفظ البيان بحقّ لبنان في الدفاع عن نفسه عند التعرّض لأيّ اعتداء، والتزم بتحرير الأراضي وبسط السيادة بقوى الدولة الذاتية ونشر الجيش على الحدود المعترف بها دوليًّا.
ولا يصحّ هنا ردّ النتيجة الراهنة إلى سبب واحد. فمنظومة الردع تعرّضت في 2024 لاختراق عسكري واستخباري واسع سبق إسقاطها السياسي في البيان الوزاري. غير أن الإفراغ السياسي لم يبدأ في 2025، بل كان مسارًا تراكميًّا منذ 2005، والبيان الأخير كان تتويجًا له لا بدايته. فالتآكل السياسي والاختراق العسكري مساران متوازيان تغذّى كلّ منهما من الآخر.
في الأطروحة. الخلل إذن ليس في مبدأ حصر السلاح بالدولة، بل في التسلسل: تفكيك عنصر من منظومة ردع قائمة قبل بناء البديل المؤسّسي القادر على أداء وظيفته. وسيُعترض على ذلك بأن الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية بقي معلّقًا قرابة عقدين بسبب الخلاف على وضع قرار السلاح تحت سلطة الدولة، فلا يُعقل أن يُشترط انتظار استراتيجية تعثّر إنجازها. وهذا الاعتراض يحمل وجاهة جزئية من جهة قناعات قائليه، لكن أيًّا كانت المسؤولية عن التعثّر، فالنتيجة البنوية والموضوعية واحدة: الدولة ورثت وظيفة الدفاع دون أداتها. والسياسة لا تُقاس بتوزيع اللوم بل بما تُنتجه من وقائع، والواقعة هي جيش يُطرد من أرضه بإنذار.
وتتلخّص الأطروحة في أن تفريغ معادلة الردع ثم إسقاطها، قبل بناء بديل مؤسّسي يمتلك القدرة على أداء وظيفتها، لم يُنتج حصرية للسلاح بقدر ما أنتج فراغًا في الوظيفة. فالجيش لم يُمنح تعريفًا إيجابيًّا حين كانت المقاومة تؤدّي وظيفة الردع، ولم يُمنح أدوات الوظيفة حين انتُزعت منها. وما حادثة أيلول، كسابقاتها ولاحقاتها، إلّا التعبير الميداني عن هذا الفراغ: تفكيكٌ سبق البناء، وحصريةٌ بلا قدرة.
سابعًا: المعنويات بوصفها شرط بقاء، من التكبيل إلى التآكل
إذا كانت الأقسام السابقة قد رصدت مستويات التكبيل، فإن السؤال الحاسم هو: ما أثر هذا التكبيل على المؤسّسة ذاتها؟ والجواب أن الخطر الأكبر ليس في عجز الجيش عن الفعل في لحظة بعينها، بل في تآكل معنوياته بفعل تكرار هذا العجز. فالجيش ليس مخزن سلاح ولا جدول رواتب، بل جماعة بشرية منظّمة تستمدّ تماسكها من إيمان أفرادها بمعنى ما يفعلون. والجيش بلا معنويات ليس جيشًا يمكن أن يستمر.
آلية التآكل. تعمل آلية التآكل عبر ثلاث حلقات متتابعة. الحلقة الأولى هي الفجوة بين العقيدة والممارسة: الجندي يُلقَّن أن إسرائيل عدوّ، ثم يُطلب منه الانسحاب أمامها بإنذار، أو تنفيذ ترتيبات تضع هي معايير نجاحها. والحلقة الثانية هي تراكم الإهانة دون ردّ: كلّ حادثة مفردة يمكن تبريرها بميزان القوى، لكن تكرارها يُحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويُرسّخ في وعي الجندي أن دوره المعلن ليس دوره الفعلي. والحلقة الثالثة هي انفصال التضحية عن المعنى: حين يسقط العسكري دون أن يكون في موقع قتال، ودون أن يُسمح لرفاقه بالردّ، تفقد التضحية وظيفتها الرمزية بوصفها فداءً للأرض، وتتحوّل إلى خسارة صامتة.
في الشرف العسكري. يحمل الجيش اللبناني شعار “شرف، تضحية، وفاء”. والشرف العسكري في الجيوش النظامية يقوم على الطاعة للسلطة السياسية المشروعة، وتنتقل المسؤولية الأخلاقية عن القرار إلى من اتّخذه، ويبقى للعسكري شرف التنفيذ المنضبط. غير أن هذه المعادلة تفترض سلسلة سليمة: قرار سياسي سيادي تتّخذه سلطة وطنية حرّة، ثم تنفيذ عسكري ملتزم. فماذا يحدث حين يكون القرار السياسي نفسه مرتهنًا لقيد خارجي، سواء كان تمويلًا مشروطًا أو إطارًا تفاوضيًّا غير متكافئ أو إنذارًا بالقصف؟ تنقطع السلسلة، ويصبح الشرف بلا عنوان في نظر افراد الجيش. فلا الجندي مسؤول لأنه أطاع، ولا السياسي مسؤول لأنه “لم يكن يملك خيارًا”، ولا الطرف الخارجي معنيّ أصلًا بالحساب الأخلاقي الداخلي. والخاسر في هذه المعادلة هو المعنى ذاته للشرف العسكري بوصفه قيمة مؤسّسية وأخلاقية جامعة.
في الشواهد. والذاكرة القريبة تقدّم نقيضين كاشفين. ففي آب 2010، اشتبك الجيش في بلدة العديسة حين حاولت قوّة إسرائيلية اقتلاع أشجار عبر الخطّ، فسقط له شهيدان ومعهما صحافي، وقُتل ضابط إسرائيلي. كانت تلك من المرّات التي تطابقت فيها العقيدة مع الفعل، فاكتسبت التضحية معناها من كونها دفاعًا عن الأرض، وارتفعت معها معنويات المؤسّسة. أمّا في حرب 2024، فقد سقط عشرات العسكريين بضربات إسرائيلية دون أن يكون الجيش طرفًا مقاتلًا في الحرب ودون أن يُتاح له الردّ. والفارق بين الحالتين ليس في حجم الخسائر بل في طبيعتها: تضحية ذات وظيفة في الأولى، وتضحية بلا وظيفة في الثانية. وحادثة أيلول 2026 تضيف طبقة ثالثة: لا تضحية ولا اشتباك، بل انسحاب تحت الإنذار، أي الخسارة الرمزية الخالصة التي تمسّ المعنويات مباشرة دون أن تترك شهيدًا يُستذكر.
في العامل المضاعِف. ويتضاعف أثر هذا التآكل بفعل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان منذ 2019، إذ فقدت رواتب العسكريين الجزء الأكبر من قيمتها، واضطرّ كثير منهم إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وباتت المؤسّسة تعتمد على مساعدات خارجية لتأمين الحدّ الأدنى من حاجات أفرادها. فحين يجتمع التكبيل الوظيفي مع الضائقة المعيشية، يُحاصَر الجندي من جهتين: لا يُسمح له بأداء ما أُعدّ له، ولا يُؤمَّن له ما يعينه على الصبر. وهذا وضع لا يمكن لأيّ مؤسّسة عسكرية أن تحتمله إلى ما لا نهاية.
في النتيجة. إن استمرار هذا المسار يضع الجيش أمام أحد احتمالين، وكلاهما تقدير احتمالي لا حكم قاطع: إمّا التآكل البطيء الذي يُفرغ المؤسّسة من روحها مع بقاء هيكلها، فتتحوّل إلى جهاز إداري يرتدي الزيّ العسكري؛ وإمّا تراكم الاحتقان داخلها حتى يبحث عن متنفّس خارج الأطر المرسومة. والاحتمالان كلاهما خطر على الدولة التي يُفترض أن يكون الجيش ركيزتها, ومفروض الحفاظ عليه.
ثامنًا: في المقارنة، درجات التكبيل
ليس النموذج اللبناني فريدًا تمامًا، والمقارنة تساعد على تحديد موقعه بدقّة.
سيناء بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979). قسّم الملحق الأمني للمعاهدة شبه جزيرة سيناء إلى مناطق تتدرّج فيها القيود على حجم القوّات المصرية ونوع تسليحها، وصولًا إلى منطقة لا يُسمح فيها إلّا بالشرطة المدنية وقوّات متعدّدة الجنسيات. هنا تكبيل جغرافي محدود، لكنه جاء نتيجة معاهدة استعادت بموجبها مصر أرضها، وبقي الجيش المصري خارج سيناء جيشًا ذا عقيدة وقدرة كاملتين. أي أن القيد كان ثمنًا لاستعادة الأرض، لا بديلًا عنها.
الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد اتفاقات أوسلو. هنا يبلغ التعريف السلبي حدّه الأقصى. فالأجهزة نشأت أصلًا بوصفها قوّة شرطة لا جيشًا، ووظيفتها المركزية في الترتيبات الأمنية ضبط الداخل الفلسطيني، في ظلّ تنسيق أمني مع قوّة الاحتلال نفسها. أي أن التكبيل هنا تأسيسي، سابق على وجود المؤسّسة ومحدِّد لطبيعتها.
الحالة اللبنانية تقع في منطقة وسطى متحرّكة: جيش ذو عقيدة وطنية وتاريخ وشرعية، لكنه يُدفع تدريجيًّا، عبر الترتيبات المتعاقبة منذ 2006، نحو وظيفة تقترب من النموذج الثاني في الجنوب تحديدًا، دون أن يكون ذلك ثمرة معاهدة تعيد الأرض كما في النموذج الأول. أي أنه يدفع ثمن القيد دون أن يقبض ثمن الاستعادة. وتقدير هذه المقالة، بوصفه تقديرًا احتماليًّا، أن اتّجاه الحركة الحالي يسير نحو تعميق التكبيل لا نحو تخفيفه، ما لم يحدث تحوّل في المستوى السياسي.
تاسعًا: الحجّة المقابلة
تقتضي النزاهة المنهجية عرض الحجّة المقابلة في أقوى صيغها. يرى أنصار نهج ضبط النفس والمسار التفاوضي أن التضحية دون قدرة ليست شرفًا بل هدر، وأن الأولوية الأخلاقية للدولة الضعيفة هي البقاء لا الإثبات، وأن زجّ الجيش في مواجهة محسومة النتيجة قد يؤدّي إلى تدميره عسكريًّا أو إلى تصدّعه داخليًّا، فتسقط آخر ركائز الدولة. ويضيفون أن المسار الدبلوماسي، مهما بدا بطيئًا ومؤلمًا، هو الرافعة الوحيدة المتاحة لاستعادة الأرض دون كلفة بشرية إضافية، وأن الإسراع في حصر السلاح يسحب من إسرائيل ذرائعها ويُعيد للدولة ثقة المجتمع الدولي ودعمه.
هذا منطق متماسك في حدوده، ويستند إلى تقليد راسخ يجعل حفظ الكيان مقدَّمًا على سائر الاعتبارات. غير أن عطبه يظهر في ثلاث نقاط. أولًا، أن منطق “سحب الذرائع” يفترض أن الذريعة شيء موضوعي قابل للاستيفاء، بينما تُظهر الوقائع أن الطرف المقابل يحتفظ وحده بحقّ تعريفها وتقييم مدى استيفائها، فيصبح المسار بلا نقطة نهاية. ويؤكّد ذلك أن مسؤولين لبنانيين أنفسهم لا يتوقّعون انفراجة دبلوماسية كبيرة أو انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا . ثانيًا، أن هذا المنطق يقبل ميزان القوى الراهن بوصفه معطًى ثابتًا لا صيروري، فتتحوّل “الواقعية” من قراءة للميزان إلى تسليم دائم به، دون أيّ تصوّر لكيفية تعديله. ثالثًا، أن الحفاظ على الجيش بعدم استعماله قد يحفظ المؤسّسة شكلًا، لكنه يستنزف معنوياتها ومعناها، والمؤسّسة التي تفقد معنوياتها تفقد في النهاية قدرتها على الاستمرار حتى في وظيفتها الجامعة التي يُراد صونها. فالحجّة التي تبدأ بحماية الجيش من الهلاك في المواجهة، تنتهي إلى تعريضه لهلاك أبطأ بالتآكل.
خاتمة: من الحادثة إلى العقيدة
تخلص هذه المقالة إلى أن الأزمة ليست في عقيدة الجيش اللبناني ولا في استعداد أفراده، بل في التكبيل الذي يحول بين هذه العقيدة وبين ترجمتها فعلًا. فالجيش محكوم اليوم بثلاث وظائف متناقضة: وظيفة دفاعية معلنة في عقيدته، ووظيفة ضامن للتماسك الداخلي في موقعه السياسي، ووظيفة منفّذ لترتيبات دولية في ممارسته الميدانية. وقد زاد من حدّة هذا التناقض أن منظومة الردع التي كانت تسدّ الفراغ الدفاعي جرى تفريغها ثم إسقاطها قبل بناء البديل المؤسّسي، فورثت الدولة وظيفة الدفاع دون أداتها. وما دام القرار السياسي لم يحسم هذه المعادلة، فكلّ حادثة جديدة ستُقرأ خرقًا منفردًا بينما هي تجلٍّ للنموذج نفسه.
وعليه، فإن صون الجيش ليس مسألة شعارات ولا ردّ فعل ميداني عابر، بل مسألة بناء تتطلّب شروطًا متلازمة: قرارًا سياسيًّا يترجم العقيدة القتالية إلى تكليف فعلي في الممارسة لا في النصّ وحده، وقواعد اشتباك واضحة تحدّد ما يدافع عنه الجيش وكيف، واستراتيجية دفاعية وطنية تسبق التفكيك لا تليه، ومصادر تسليح متنوّعة لا تُشترط بعجز مسبق، وحدًّا أدنى من الكرامة المعيشية لأفراد المؤسّسة. من دون ذلك، سيبقى الجندي اللبناني يتحمّل كلفة أخلاقية لقرار لم يتّخذه، وستبقى المؤسّسة تستنزف معنوياتها في انتظار تكليف لا يأتي.
لقد أدرك ماكيافيلي قبل خمسة قرون أن السلاح المستعار لا يصنع دولة، وأن الأمير الذي لا يملك سلاحه لا يملك أمره. والدرس اللبناني يضيف إلى ذلك بُعدًا آخر: أن السلاح الوطني المكبَّل قد يصير، مع الوقت، سلاحًا بلا روح. وأمّا خطاب “الدولة وحصرية السلاح وبسط السلطة على كامل الأراضي”، فاختباره الحقيقي ليس في ما يطالب به تجاه الداخل، بل في ما يقوله ويفعله حين يُطرد الجيش من أرضه. فإمّا أن يكون مشروعًا سياديًّا متّسقًا يربط الوظيفة بالقدرة ويصون معنويات المؤسّسة التي يحمّلها مسؤولية السيادة، وإمّا أن يبقى شعارًا يُوظَّف في صراع داخلي، فيسهم، من حيث يدري أو لا يدري، في تكريس التكبيل الذي يدّعي معالجته.