
بين اللاجدوى وعيون هرمز: امتحان الستين يومًا فصلٌ معلّق في كتاب التراجع وميلاد عالمٍ آخر…
علي فضّة |
حين أعلن دونالد ترامب نهاية الحرب مع إيران بعبارة “دعوا النفط يتدفّق”، بدا وكأنه يطوي صفحة نصر. غير أن قراءةً متأنية للنص ولسياقه الدولي تكشف أن ما طُوي ليس صفحة، بل أُعلن عنه فصلٌ من كتابٍ لم يُنشر بعد، ونشره الكامل معلّقٌ على شرطٍ : تكبيل إسرائيل.
وبين “اللاجدوى” — حُكمًا على حربٍ امتدّت أكثر من مئة يوم لتنتهي إلى تثبيت أقدام طهران لا اقتلاعها — و”عيون هرمز” التي ترصد من تنازل لمن، يتشكّل سؤال الفصل المعلّق وملامح عالمٍ يولد من رحم هذا الكباش.
أولًا — حين حاول الوكيل تفجير طاولة الأصيل
لم يكن مسار المفاوضات خطًّا هادئًا، بل خطًّا حاول الوكيل الإسرائيلي قطعه بالنار. فعشية اقتراب الاتفاق، ضربت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت بينما بلغت المفاوضات مرحلتها النهائية، في تصعيدٍ هدّد بنسف التسوية (CBC News) . ولم يكن حادثًا معزولًا: ففي ضربةٍ سابقة على الضاحية، ردّت إيران بصواريخ على إسرائيل، ثم ضربت إسرائيل إيران بعد ساعاتٍ رغم مناشدة ترامب ضبط النفس (Newsweek) . جاء الرد بسرعة الصاروخ الإيراني، فكان الجواب الأمريكي على هذا التخطّي قاسيًا حدّ التأنيب: كتب ترامب أن هجوم بيروت “ما كان ينبغي أن يحدث، خصوصًا في يومٍ خاص ونحن قريبون جدًا من اتفاق سلام” (NPR) ، وبلغ التوتر ذروته حين وصف ترامب نتنياهو بـ”المجنون” في مكالمةٍ مشحونة بالشتائم، متّهمًا إياه بالمبالغة في الرد (Time) . هكذا كشفت ضربة الضاحية المعادلة عاريةً: الوكيل يحاول أن يُملي على الأصيل إيقاع حربه.!
ثانيًا — العبء الوظيفي: إسرائيل منذ السابع من أكتوبر
ومن هذا المشهد يتبدّى ما هو أعمق: إسرائيل، بالمفهوم الوظيفي، تحوّلت منذ السابع من أكتوبر إلى عبءٍ مُلزِّم على الولايات المتحدة لا أصلٍ صافي العائد. فالحليف الذي يُفترض أن يكون أداةً لتنفيذ السياسة الأمريكية صار طرفًا يجرّ الراعي إلى حيث لا يريد. (كانت هذه تجربة من قبل ترامب – “جو بايدن” لم ينجح بنصح نتنياهو عشية السابع من اكتوبر) وقد التقطت قراءة “فخّ التحالف” هذا المعنى: إذ تمنح بنيةُ التحالف — وفي القلب منها تدفّق السلاح الأمريكي المستمر — إسرائيلَ مساحةً للتحرّك قبل أن تتمكّن واشنطن من تسعير العواقب أو فرض إرادتها (Newsweek) . هذه هي “فاتورة الراعي”: أن يدفع ثمن أفعال وكيلٍ لا يأتمر بأمره.
ثالثًا — فلسفة القيمة والجدوى: معادلةٌ تحت الصفرية
وهنا يدخل البُعد الفلسفي صلب التحليل. إذا كانت “اللاجدوى” حُكمًا على حرب الأصيل الأمريكي على إيران — بمساعدة الوكيل الإسرائيلي في إيران ولبنان — فإن مآلها إلى اتفاقٍ يُثَّبّت أقدام طهران ويعزِّز مكانة حلفائها يعني أن العائد لم يكن صفرًا، بل تحت الصفر. القوة العظمى أنفقت رأسمالها العسكري والسياسي لتخرج بنتيجةٍ سلبية: خصمٌ أرسخ، وحلفاء خصمٍ أكثر تمكّنًا. غير أن ما يميّز الشخصية الأمريكية بوصفها قوةً عظمى أنها تعرف كيف تخسر ومتى تنسحب بعد أن تحدّد سقف خسائرها — تقطع الخسارة وتُعيد ترتيب أوراقها. وهذا المبدأ بالذات لا ينطبق على إسرائيل: فالوكيل المحكوم بمنطق الردع الوجودي اللحظي لا يملك ترف “تحديد الخسارة والانسحاب”، بل يندفع إلى تصعيدٍ يضاعف الكلفة على الأصيل نفسه.
رابعًا — العقبة ليست إيرانية: الجيوفيزياء أطوع من الحليف
ومن المفارقات أن عقبات التفاهم ليست في الجانب الإيراني. فإيران قادرةٌ على الالتزام، بل بحاجةٍ إليه: الاتفاق يفتح لها تصدير النفط فور التوقيع، ويتيح أصولها المجمّدة — نحو مئة مليار دولار — ويعدها بصندوق إعمارٍ بثلاثمئة مليار (ABC News) ، وكلها مكاسب تجعل الالتزام مصلحةً لا تنازلًا. أما الطرف الذي لا يرقى إلى المستوى نفسه فهو أمريكا — لا لأنها لا تريد، بل لأن قدرتها على الوفاء مرهونةٌ بضبط حليفٍ متمرّد. وقد قال لسان حال طهران ذلك صراحة: صرّح كبير المفاوضين الإيرانيين قاليباف بأن اختراق إسرائيل للضاحية أظهر أن أمريكا تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على الوفاء بالتزاماتها (NPR) . هنا تكتمل الصورة: إزالة الألغام البحرية من هرمز — مهمةٌ تقنية بحتة — أسهل على واشنطن من كبح نتنياهو, هنا يثَّبت أن الجيوفيزياء أطوع من الحليف.
خامسًا — لبنان: السيادة المُغيَّبة وردعٌ من غير الدولة
وأخطر ما في المذكرة أنها تتصرّف بمصير لبنان دون أن يكون لبنان الرسمي طرفًا موقّعًا. فالبند الأول يلزم بإنهاء العمليات “على كل الجبهات بما فيها لبنان”، ويُقرّر وقفًا كاملًا للأعمال العدائية من إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، ويتيح لأهالي جنوب لبنان النازحين العودة إلى بيوتهم (The Times of Israel) . أي أن سيادة دولةٍ تُرسم في طاولةٍ تجلس إليها واشنطن وطهران، لا بيروت, هذا ما لم تلحظه الدولة اللبنانية باكرًا, لأنها حاولت رسم مسار مختلف لنفسها من منطلق ليس سيادي كما يوصف بل من ضعف نظر جيوسياسي ورهانات كلها باءت بالفشل. وقد أدركت رئاسة لبنان المأزق متأخرةً: فقد انتقد الرئيس جوزيف عون إيران بحدّة متّهمًا إياها باستخدام لبنان ورقة مساومة، قبل أن يعود فيرحّب بالمذكرة (The Times of Israel) ، ثم أصرّ على أن مفاوضات بلده مع إسرائيل في واشنطن مستقلةٌ عن الاتفاق الإقليمي (The Times of Israel) — إصرارٌ يفضح، بمقدار ما يداري، أن القرار اللبناني صار رهينة معادلةٍ أكبر منه, كالمعادلة التاريخية التي تعاد وتعاد دون اتعاظ.
وهنا مفارقةٌ تكشف عُمق العجز: لولا إيران لما كانت الدولة اللبنانية قادرةً حتى على حماية جنود جيشها، أو على استنكارٍ بحجم الواقعة. فحين قتلت ضربةٌ إسرائيلية ادت الى استشهاد عميدًا ونقيبًا وجنديًا من الجيش اللبناني على طريق الخردلي-النبطية، بعد أيامٍ من وقفٍ مشروط لإطلاق النار (Al Jazeera) ، اكتفت الدولة بترسانة من الكلمات: حيث وصف عون الضربة بأنها “انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية والقانون الدولي”، فيما اعتبرتها رئاسة الحكومة “جريمة نكراء” (NPR) ، بينما ردّت إسرائيل بأن الحادث وقع في “منطقة قتال نشطة” وأنه “قيد التحقيق” (Al Jazeera) .! ولم تكن الأولى: فقد قُتل جنودٌ لبنانيون آخرون في أيامٍ سابقة ضمن سلسلة ضرباتٍ طالت عسكريين عبر الجنوب والبقاع الغربي (Al Jazeera) ، وقبلها إستشهد في النبطية ثلاثة جنود لبنانيين وعنصرٌ من الأمن العام في ضربةٍ واحدة . الدولة التي لا تملك ردعًا لا تملك إلا الاستنكار؛ أما الردع الذي جعل قتل جنودها كلفةً لا تمرّ بلا ثمن، فمصدره معادلةٌ إقليمية محورها إيران وحليفها حزب الله اللبناني، لا قدرةٌ ذاتية للدولة. وهذه حقيقةٌ موجعة للسيادة بقدر ما هي دامغةٌ في تفسير لماذا صار الانسحاب الإسرائيلي شرطًا إيرانيًا لا مطلبًا لبنانيًا.
ومن هنا تنقلب المعادلة التي بُنيت طوال أشهر. فقد كان المسار الغربي يتّجه إلى نزع سلاح حزب الله: حيث أعلنت الدولة اللبنانية السيطرة على المنطقة جنوب الليطاني ونزع سلاح الحزب فيها استعدادًا للمرحلة الثانية، ضمن خطةٍ ترعاها واشنطن مقابل انسحابٍ إسرائيلي. لكن الاتفاق الإيراني-الأمريكي قلب الطاولة: فبدل أن يكون نزع السلاح ثمنًا للانسحاب، صار الانسحاب الإسرائيلي شرطًا إيرانيًا للاتفاق النووي نفسه ومعادلات اقليمية اكثر تعقيدًا. وقد قالها حزب الله صراحة: لا اتفاق نووي بين إيران وأمريكا ما لم تنسحب إسرائيل من لبنان، وأي انسحاب سيكون نتيجةً للمفاوضات لا شرطًا مسبقًا لها (The Times of Israel) ، فيما وصف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الاتفاق بأنه “نصرٌ كبير” و”نقطة محورية” للبنان، شاكرًا إيران على “ربط الساحة اللبنانية” بالاتفاق (The Times of Israel) . هكذا تحوّل الجنوب اللبناني من ساحةٍ يُنزع فيها سلاح المقاومة إلى ورقةٍ تُنتزع بها التنازلات.
سادسًا — فكّا الكمّاشة: من هرمز إلى باب المندب
ليست التفاتةً عابرة أن تفتتح المذكرة بندها الأول بصيغة “الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الراهنة” . فإدخال “الحلفاء” طرفًا اعترافٌ ضمني بأن إيران تتفاوض بصفتها مركزَ شبكةٍ إقليمية او ما اصطلح على تسميته بمحور المقاومة. وهنا تنفتح الجغرافيا البحرية: إذا كان هرمز هو العين التي يرصد العالم منها تدفّق النفط، فباب المندب ظهيرها الجنوبي — الممر المتحكّم بشريان البحر الأحمر والسويس عبر حليف إيران اليمني. النص لم يُسمِّ المندب، لكن منطق “الحلفاء” يجعله حاضرًا بالقوة: أي اضطرابٍ هناك يضرب الاقتصاد العالمي من جهةٍ ثانية، ويمنح طهران ورقة ضغطٍ موازية. وبذلك تصير المعادلة فكّي كمّاشةٍ بحرية يضبط إيقاعهما طرفٌ صامد. والكلفة هنا ليست أمريكية ولا إسرائيلية فحسب، بل إثقالٌ اقتصادي عالمي: فحين هوت واردات الصين النفطية من الخليج بنسبةٍ بلغت 25% ، وقفزت أسعار النفط وهوت الأسواق الآسيوية إثر الضربات الأولى (Brookings) ، صار استقرار الممرّين شأنًا كونيًا. الضغط إذًا عالمي لا قُطري، ومصلحة العالم في تكبيل المُصعِّد أثقل من حسابات تل أبيب.
سابعًا — البُعد الصيني: المنتصر الأكبر بعقليةٍ لا تعرف الدعاية
أمّا المنتصر الأكبر من هذا الكباش الشرق أوسطي فهو الغائب الحاضر: الصين. لم تُطلق رصاصة، لكنها حصدت أثمن الغنائم — تآكل المصداقية الأمريكية — لأن عقليتها في جوهرها ليست دعائية بل استراتيجية صبورة، تُؤثر الفعل الصامت على الضجيج، وتنتظر خصمها عندما يُخطئ بدل أن تقاطعه. وقد اختصرت مجلة الإيكونوميست هذا المزاج حين وضعت على غلافها صورة الرئيس الصيني شي جينغ بينغ ناظرًا إلى ترامب، مذيّلةً بعبارةٍ تُنسب إلى نابليون: “لا تقاطع عدوك حين يرتكب خطأً” (Al Jazeera) . هذه هي العقيدة الصينية: أن تدع الحرب تستنزف منافسك، فتربح أنت بالامتناع لا بالتدخّل. ولهذا بالضبط رفضت بكين أن تكون ضامنًا للهدنة رغم طلب طهران، مفضّلةً دبلوماسيةً عالية المردود منخفضة المخاطرة (Brookings) — لا جبنًا، بل حسابًا باردًا يجني ثمار الاضطراب من خارج النار. ومع ذلك كان حضورها متعدّد الطبقات: سياسيًا عبر خارطة طريق من أربع نقاط طرحها شي للتهدئة (Newsweek) ، وتفاوضيًا عبر المبادرة الصينية-الباكستانية ذات الخمس نقاط التي ركّزت على المرور الآمن للسفن وألا يُغلق المضيق أو تُفرض رسوم عبورٍ غير شرعية (Modern Diplomacy) — وهي بعينها روح البند الذي حكم هرمز. وقد التمس منها الجميع دورًا أوسع: إذ اتصل وليّا عهد أبوظبي والرياض بشي منتصف أبريل طلبًا لدورٍ صيني أكبر في التهدئة (Brookings) . ربحت النفوذ دون أن تدفع كلفة الضمان، وتلك قمّة الذكاء للإمبراطورية الصاعدة بثبات.
ثامنًا — باكستان الابن المدلّل وزيارة بكين المفتاح
من هنا يصبح اختيار إسلام آباد مسرحًا للتفاوض مدخلًا ترابطيًا محوريًا لا رمزًا لنجاحٍ محايد. فباكستان ليست وسيطًا مستقلًا، بل الابن المدلّل للصين: شريكٌ عضوي في الاقتصاد والسلاح والممرّات، من الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني إلى ميناء غوادر المطلّ على بحر العرب قبالة هرمز. ومن هذا الموقع أصدرت مع بكين بيانًا من خمس نقاط دعا إلى وقفٍ فوري للنار وفتح هرمز واحترام ميثاق الأمم المتحدة، واستضافت جولةً من محادثات واشنطن وطهران (The Express Tribune) ، فيما أقرّ المحللون بأن إسلام آباد تعترف بالنفوذ الذي تملكه الصين على إيران (Global Security) . أي أن “الطاولة الباكستانية” كانت امتدادًا لليد الصينية: الابن يستضيف، والأب يُظلّل. وحين رحّبت بكين بالاتفاق، أشاد وزير خارجيتها وانغ يي بدور باكستان وأثنى على مبادرة شي ذات النقاط الأربع والمبادرة المشتركة ذات الخمس (Aaj English TV) — تثبيتًا للأبوّة على الإنجاز.
ولهذا فإن زيارة ترامب إلى شي ليست تفصيلًا عابرًا، بل المفتاح الذي فُتح به الباب. لم يكن اتفاق إسلام آباد وليد ليلةٍ وضحاها، بل ثمرةَ أشهرٍ من التفاوض المتعرّج: من بدء العمليات في أواخر شباط ، إلى هدنةٍ أولى، فجولة إسلام آباد في نيسان التي فشلت، ثم تمديدٍ مفتوح للهدنة. وداخل هذا الامتداد تقع زيارة ترامب إلى شي في منتصف ايار — لا حدثًا منفصلًا يُقاس بُعده عن التوقيع بالأيام، بل الحلقةَ التي ثبّتت موقع الصين في صلب المعادلة. فمفاوضاتٌ كان يُراد لها أن ترسم شكل العالم لا يكفيها زمنٌ قصير، وتحضيرها يحتاج إلى أكثر من شهرٍ بكثير؛ ولهذا فالشهر الفاصل بين بكين وإسلام آباد ليس فجوةً تنفي الترابط، بل مدّةٌ طبيعية داخل عمليةٍ واحدة. وكانت الزيارة التاريخية وسط توترٍ جيوسياسي محتدم حول إيران، وأول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ 2017 ، حتى لمّح المحللون إلى أن بكين كانت تمتنع عن الضغط على طهران بانتظار هذه الزيارة بالذات (Al Jazeera) . والأبلغ أن ترامب خرج منها بموقف المستجدي لا الآمر: قال إنه لا يطلب خدمات “لأن من يطلب الخدمات عليه أن يردّها”، وكشف أنه يدرس رفع عقوباتٍ عن شركاتٍ صينية تشتري النفط الإيراني (CNN) ، فيما رأى المحللون أن أي عونٍ صيني في ملف إيران سيتطلّب تنازلاتٍ أمريكية، غالبًا في تايوان (Al Jazeera) . فهذه ليست زيارة ندٍّ لندّ، بل صورةُ قوةٍ عظمى تقصد عاصمة منافسها لتستعطف دورًا في ضبط خصمٍ إقليمي — ولذلك رأت بروكينغز أن رحلة ترامب ورغبة الصين في تحسين العلاقات قد حيّدتا نقد بكين ومعارضتها للحرب (Brookings) .
تاسعًا — تقدير الفشل: معادلاتٌ دولية لا إقليمية
لأن المشهد دولي، فإن تقدير عواقب فشل الستين يومًا مرهونٌ بمعادلاتٍ تتجاوز الشرق الأوسط. من جهة أمريكا، الحلفاء الأوروبيون ليسوا ملزمين برعونة إسرائيل وغطرستها، بل لهم حسابهم المستقل في الطاقة والملاحة: فقد أعلن ماكرون جاهزية مهمةٍ فرنسية-بريطانية للمساعدة في إعادة فتح هرمز، فيما شدّد وزير الخارجية الألماني على وجوب أن يكون المضيق صالحًا للملاحة دون قيود (Asharq Al-Awsat) . هذا يعني أن انهيار الاتفاق لن يجد أوروبا مصطفّةً خلف تصعيدٍ إسرائيلي يهدّد شريانها الاقتصادي. ومن جهة إيران، لن يبقى حلفاؤها الدوليون مكتوفي الأيدي أمام تضرّرٍ واضح لمصالحهم: فالصين، عند انهيار الجولة السابقة، جمعت الدبلوماسية بالتلويح العسكري، حتى ترددت تقارير عن استعداد بكين لإرسال منظومات دفاع جوي محمولة إلى إيران عبر دولٍ ثالثة، وهو ما نفته الخارجية الصينية. وروسيا حاضرةٌ في المعادلة ذاتها. أي أن فشل الستين يومًا لن يكون عودةً نظيفة إلى “القصف” كما يلوّح ترامب، بل فتحًا لباب تدويلٍ يستدعي المعسكر المقابل ويضاعف كلفة المغامرة على واشنطن وحدها.
خاتمة — الكتاب المعلّق: ماذا ينتظر نتنياهو ولبنان؟
قبل هذا الكباش، كان العالم لا يزال يُفترض فيه أحاديةٌ أمريكية تُملي وتُنفّذ عبرها او عبر وكلائها. بعده، تبدّى نظامٌ آخر: قوةٌ عظمى تتفاوض في عاصمة حليف منافسها، وتعجز عن ضبط وكيلها، وتُقطف ثمار اضطرابها لمصلحة طرفٍ لم يُطلق رصاصة. لم يولد هذا العالم متعدّد الأقطاب بالاتفاق، لكن الاتفاق وثيقةُ ميلاده: إقرارٌ بأن أمن الممرّات وأسعار الطاقة وإعمار ما بعد الحرب صارت ملفّاتٍ تتقاسمها بكين وموسكو وأوروبا، لا تحتكرها واشنطن.
يبقى امتحان الستين يومًا فصلًا معلّقًا، لأن السلاسل التي ظهرت في الحرب — تمرّد الوكيل، وفكّا الكمّاشة من هرمز إلى المندب، والداخل الانتخابي الامريكي، والإثقال العالمي، وصعود اللاعب المهاري الصيني — هي نفسها التي تمنع نشر الكتاب كاملًا. والخلاصة المتقطّرة أن أمريكا ملزَمةٌ بكبح إسرائيل، لا اختيارًا بل اضطرارًا، لأن الموضوع تخطّى حدود “الممكن الأمريكي” بحدّ ذاته: فالقوة العظمى التي تعرف كيف تقطع خسائرها تواجه حليفًا لا يعرف ذلك، وتجد أن أصعب ما في مهمتها ليس إقناع الخصم القادر على الالتزام والمحتاج إليه، بل تطويق الصديق العاجز عن ضبط نفسه — وكل ذلك تحت أنظار خصمٍ أكبر يربح من بعيد. فإذا كانت “اللاجدوى” قد فعلت فعلها فأفضت إلى هذا المآل تحت الصفري، فالسؤالان الأخيران يبقيان معلّقين مثل النص: ماذا ينتظر نتنياهو بعد النصفية، حين يصير عبئًا لا أصلًا، ويُطلب منه أن يُكبَّل لا أن يُمكَّن؟ وماذا ينتظر لبنان، الكيان الذي رُسم مصيره في طاولةٍ لم يجلس إليها برغبته، وحين يكون ردعُ قاتلِ جنوده آتيًا من حليفٍ إقليمي لا من دولته؟ هل تصمد إسرائيل في عنادها، أم ينهار الفصل فتطوي اللاجدوى وهمَ النصر الذي بُنيت عليه، ويُكتب بدلًا منه فصلٌ أول في كتاب عالمٍ ما عاد أحادي القطب — لبنان أول المكتوب على هوامشه؟ وللحديث تتمة…