
سلطة المعنى “خارج وصاية المفهوم”
علي فضّة \
” مفهوم لم أشارك في صياغة تعريفاته, لا تلزمني سلطة معناه “
العالم كقرية لا تتكلم لغةً واحدة لكنها تُحكم بمفهومٍ واحد
لم يحدث في تاريخ البشرية أن تقاربت المسافات وتباعدت المعاني في آنٍ واحد، بالقدر الذي نشهده اليوم. العالم الذي وصفه مارشال ماكلوهان يومًا بـ”القرية الكونية” قد تحقق تقنيًا بما يفوق كل تخيُّل، غير أن هذه القرية لا تتشارك حوكمةً عادلةً ولا معاييرَ موحدة، بل تتشارك شيئًا أدق وأخطر من ذلك كله: منظومةً من المفاهيم فرضتها إراداتٌ بعينها، وباتت تعمل كأدوات ضبطٍ أيديولوجي أشد فاعليةً من أي جيشٍ أو أسطول، لأنها لا تحتل الأرض بل تحتل العقل، ولا تقيّد الجسد بل تقيّد اللغة التي يُفكر بها الإنسان ويصف بها واقعه.
حين يُوصف شعبٌ يقاوم احتلالاً راسخًا بالإرهاب، وتُوصف في الوقت ذاته القوةُ المحتلة بأنها تمارس حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، فنحن لسنا أمام اختلافٍ في وجهات النظر أو تبايُنٍ مشروعٍ في قراءة الأحداث، بل أمام شيءٍ أعمق وأكثر خطورة: احتكار المفهوم ذاته، وتحديد من يحق له أن يكون ضحيةً ومن يُحكم عليه مسبقًا بأن يكون جلادًا، لا وفق منطق الوقائع بل وفق موازين القوى التي تملك أدوات التسمية والتعريف ,حين تُقدَّم الديمقراطية هديةً على رأس دبابةٍ في بلدٍ ما ويُسمى ذلك تحريرًا، ويُسمى الرفضُ الشعبي لهذه الهدية تطرفًا ورجعية، فنحن أمام اختطاف اللغة قبل اختطاف الجغرافيا، وأمام حربٍ تُخاض بالمفاهيم قبل أن تُخاض بالأسلحة.
هذه ليست ملاحظةً عابرةً بل قانونٌ راسخٌ في تاريخ الهيمنة: من يملك حق تعريف الأشياء يملك الانتصار في المعركة قبل أن تبدأ. من يملك تعريف الحرية يملك شرعية مَن يستحقها ومَن يُحرم منها. من يملك تعريف التقدم يملك الحكم على من هو متقدمٌ ومن هو متخلف. ومن يملك تعريف الإرهاب يملك القرار النهائي في تحديد من يُحاسَب ومن يُكافأ. اللغة وانتاج المصطلح في هذا السياق ليست وسيلة تعبيرٍ بريئةً بل ساحة حربٍ حقيقية، وغيابنا عن هذه الساحة استسلامٌ مبكرٌ لا تُدرك نتائجه إلا حين يفوت الأوان.
والأشد مرارةً في هذا المشهد أن الضحايا الأكثر عددًا في هذه الحرب المفاهيمية ليسوا العرب وحدهم، ولا المسلمين وحدهم، بل كل من يقع خارج دائرة من صاغوا هذه المنظومة لخدمة مصالحهم. الأفريقي الذي لا تزال حدود بلاده خطوطًا رسمها مستعمرٌ على مائدة مؤتمرٍ لم يحضره، والأمريكي اللاتيني الذي جرّب كل وصفات المؤسسات المالية الدولية فازداد فقرًا وازدادت ديونه، والآسيوي الذي يُقال له إن نهضته مشروطةٌ بقبول شروط من سبقوه. هؤلاء جميعًا يشتركون في تجربةٍ إنسانيةٍ واحدة، هي تجربة أن تُحكم عليك بمعيارٍ لم تشارك في صياغته، وأن تُدان أو تُبرَّأ وفق ميزانٍ لا يعترف بك شريكًا في وضع موازينه.
هذه المقالة تنطلق من هذه التجربة المشتركة لا من هويةٍ بعينها ولا من جغرافيا محددة. إنها لا تتكلم باسم دينٍ أو عرقٍ أو حضارةٍ تدّعي الأحقية على سواها، بل تطرح سؤالاً واحدًا يخص كل إنسانٍ على هذه الأرض: كيف تُستعاد سلطة المعنى؟ وكيف تُبنى منظومةٌ مفاهيميةٌ إنسانيةٌ عالميةٌ لا تنتمي لمركزٍ واحد ولا تخدم إرادةً واحدة، بل تنطلق من الإنسان وتعود إليه؟
الإجابة ليست في رفض ما أنتجه الآخر رفضًا أعمى تحكمه ردة الفعل لا العقل، ولا في استيراده استيرادًا ساذجًا يتجاهل السياق الذي أُنتج فيه والمصالح التي يخدمها. بل في شيءٍ أصعب من الاثنين معًا وأكثر نضجًا: فصل الفكرة عن حاملها الفاسد، واستعادتها نظيفةً لخدمة من يستحقها فعلاً، أي الإنسان، كل إنسانٍ، في كل مكان، بلا وصايةٍ ولا استثناء.
التشخيص الأول: تشابهٌ بنيوي لا مصادفةٌ تاريخية
حين نضع صورة اليمين الديني الإسرائيلي بجوار صورة اليمين الإنجيلي الأمريكي، ثم نضعهما معًا بجوار صورة التنظيمات الدينية المتطرفة التي يُفترض أنها نقيضهما، نجد أنفسنا أمام مفارقةٍ صارخةٍ تستعصي على التفسير السطحي: الصورة واحدةٌ في بنيتها العميقة رغم اختلاف الأقنعة. ليس هذا حكمًا أخلاقيًا عجولاً بل قراءةٌ في المنطق الداخلي الذي يحكم هذه الظواهر جميعًا، منطقٌ يقوم على ثلاثة أعمدة لا تتبدل: نصٌّ مقدسٌ يمنح صاحبه حق الأرض والتاريخ والمستقبل، وعدوٌّ وجودي يُضفي على الصراع طابع المعركة الكونية الفاصلة، وسلطةٌ سياسية تستمد شرعيتها من الديني لا من الإنساني.
الصهيونية في نشأتها لم تكن كذلك. كانت مشروعًا سياسيًا علمانيًا في جوهره، وُلد من رحم الأزمة الأوروبية لا من رحم الوحي. هرتزل لم يكن رجل دينٍ بل صحفيٌّ فيينيٌّ تشرّب ثقافة التنوير الأوروبي، وما دفعه نحو فكرة الدولة اليهودية لم يكن نداءً إلهيًا بل صدمة محاكمة دريفوس، تلك المحاكمة التي كشفت له أن أوروبا المتنورة لم تتخلص من عدائها البنيوي لليهود رغم كل خطابها عن المساواة والعقل. كان المشروع في جوهره حلاً سياسيًا لمشكلةٍ سياسية، والديني فيه لم يكن إيمانًا, بل أداةَ تعبئةٍ لشعبٍ متشتتٍ لا يجمعه لسانٌ مشترك ولا ذاكرةٌ جغرافيةٌ حديثة, لذا حول الى وعود فارهة تخدم المتضرر الاوروبي واليهود حيث سيبتدلوا الشتات وادعائهم المظلومية التاريخية بالدعم لظلم الاخرين .
لكن ما آلت إليه هذه الحركة اليوم بقيادة اليمين الديني يمثّل قطيعةً جوهريةً مع هذا الأصل العلماني لا امتدادًا له. حين يقول بن غفير أو سموتريتش إن الأرض ملكٌ إلهيٌّ غير قابلٍ للتفاوض، فهم لا يتحدثون بلغة دولةٍ تسعى إلى الأمن والاعتراف، بل بلغة فتوى تُحرّم التسوية وتُقدّس التوسع. وهذا بالضبط ما لاحظه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حين كتب أن الصراع في جوهره ليس صراعًا بين دينين بل بين منطقَين: منطق الحقوق الإنسانية المتساوية ومنطق الاستثناء المقدس الذي يضع صاحبه فوق المساءلة.
والغرب الذي يُقدّم نفسه وصيًا على قيم التنوير والعلمانية لم يكن بمنأى عن هذا التحول. صعود اليمين الديني في أوروبا وأمريكا ليس ظاهرةً هامشيةً بل مؤشرٌ على أن العلمانية الغربية كانت هشةً في بنيتها أعمق مما ظننا. حين يُصرّح وزير خارجيةٍ أمريكيٍّ بأن بلاده تؤمن بأن الله اختارها لقيادة العالم، وحين يُشكّل الإنجيليون كتلةً انتخابيةً تُحدد السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط انطلاقًا من توقعات نهاية الزمان لا من حسابات الأمن القومي، فنحن أمام ما وصفه ميشيل فوكو بإعادة إنتاج السلطة بمفرداتٍ جديدة “الديني المتطرّف منهجيًا لم يُهزم بعصر الأنوار بل تراجع مؤقتًا ثم عاد بلباسٍ مختلف”.
وما يجعل هذا التشابه البنيوي أشد خطورةً من مجرد التوافق العقدي هو أنه أفرز تحالفاتٍ عملية لا يمكن تفسيرها إلا بهذا المنطق. علاج مقاتلي جبهة النصرة في المستشفيات الإسرائيلية إبان الحرب السورية لم يكن شذوذًا دبلوماسيًا ولا انسانية مدعاة, بل تعبيرٌ صادقٌ عن معادلةٍ بسيطة: العدو المشترك يجعل كل شيءٍ آخر ثانويًا، بما فيه الأيديولوجيا التي يبدو الآن وكأنها كانت مشتركة. وما سُمّي لاحقًا بـ”توبة الجولاني” وقبوله في النادي العربي والغربي بعد عقودٍ من التصنيف الإرهابي، لم يكن تحولاً حقيقيًا في الأيديولوجيا بل تحولاً في الموقع الجيوسياسي الذي يتوافق مع تشخيصهم للأيديولوجيا، وهذا وحده كان كافيًا لفتح باب المصالحة على مصراعيه.
الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد ليست أن الجميع سواءٌ في الخطأ، تلك مساواةٌ زائفةٌ تُعفي الجميع من المسؤولية. الخلاصة هي أن التطرف الديني في السياسة ليس حكرًا على ثقافةٍ بعينها أو دينٍ بعينه، بل هو خيارٌ سياسيٌّ يلجأ إليه من يحتاج إلى تحويل مصالحه الدنيوية إلى واجباتٍ مقدسة، ومن يريد أن يُغلق باب المساءلة بمفتاح السماء.
التشخيص الثاني: حين يكون غياب التعريف سياسةً لا إهمالاً
ثمة سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى تقنيًا بحتًا لكنه في حقيقته من أكثر الأسئلة السياسية فجاجةً وكَشفًا: لماذا عجزت الأمم المتحدة حتى اليوم، بعد عقودٍ من النقاش والمفاوضات، عن صياغة تعريفٍ قانونيٍّ موحدٍ وملزمٍ للإرهاب؟
الجواب الذي يُروَّج له هو أن التعريف صعبٌ فلسفيًا لأن الحد الفاصل بين الإرهاب والمقاومة المشروعة يتباين بتباين المرجعيات القانونية والأخلاقية. وهذا صحيحٌ جزئيًا، لكنه يُخفي الحقيقة الأعمق: أن القوى الكبرى لا تريد هذا التعريف لأن غيابه هو بالضبط ما يمنحها حرية التصرف. والتر بنيامين كتب في “نقد العنف” أن الدولة لا تحتكر العنف لأنه مشروعٌ بطبيعته، بل لأن العنف خارج إرادتها يُهدد احتكارها للشرعية ذاتها. وبالمنطق ذاته، فإن تعريف الإرهاب لو أُحكمت صياغته سيُهدد احتكار القوى الكبرى لتحديد من هو الإرهابي ومن هو المناضل.
النتيجة العملية لهذا الغياب المتعمد هي أن كلمة “إرهاب” أصبحت تعني بدقةٍ شديدة: عنفُ من لا أحبه. أمريكا تُسمّي مقاومة الاحتلال إرهابًا وتُسمّي قصف المدنيين بالطائرات المسيّرة دفاعًا مشروعًا. وروسيا تُسمّي المعارضة المسلحة في الشيشان إرهابًا وتُسمّي تدخلها في أوكرانيا عمليةً لمكافحة النازية. وإسرائيل تُسمّي كل أشكال المقاومة الفلسطينية واللبنانية إرهابًا بينما يظل الاستيطان في عرف قانونها الداخلي بناءً مشروعًا. ليست هذه مواقف متناقضة بل هي تعبيرٌ متسقٌ عن مبدأٍ واحد: القانون الدولي ليس ميثاقًا للعدالة بل أداةٌ في يد من يملك تفسيره وتطبيقه.
جاك دريدا في تأملاته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لاحظ أن الإرهاب في الخطاب الغربي بات يعمل كمفهومٍ ذاتي الإغلاق: لا تعريف له لكنه يُنتج آثارًا قانونيةً وسياسيةً وعسكريةً هائلة. وهذا بالضبط هو جوهر الأزمة: مفهومٌ بلا حدودٍ يُستخدم لإنتاج عواقب لا حدود لها.
لكن الأخطر من غياب تعريف الإرهاب هو ما يكشفه من غيابٍ أشمل: غياب المعيار الموحد في منظومة العدالة الدولية كلها. مجلس الأمن الذي يُفترض أنه ضمير العالم القانوني يحمل في بنيته الهيكلية تناقضًا صريحًا: حق النقض الممنوح للقوى الخمس ليس آليةً إجرائيةً بل تكريسٌ دستوريٌّ لمبدأ أن القوة تسبق القانون. المنظومة الدولية لم تُبنَ على العدالة بل على توازن القوى المنتصرة في عام خمسةٍ وأربعين وتسعمائةٍ وألف، وكل إصلاحٍ جرى منذ ذلك الحين لم يمس هذا الجوهر.
الإشكالية إذن ليست في غياب القانون بل في غياب مَن يملك سلطة إلزام الجميع بتطبيقه. والمطالبة بمعايير موحدة، رغم أنها مطلبٌ عادلٌ تمامًا، تصطدم بحقيقةٍ صلبة: المنظومة التي تدّعي احتكار تعريف العدالة هي ذاتها من تمنع وجود معيارٍ موحّد لها. وهذا ليس مجرد تناقضٍ فكريٍّ بل هو انهيارٌ للشرعية من الداخل، انهيارٌ تراكمت أدلته حتى بات عسيرًا على أصحاب هذه المنظومة أنفسهم إنكاره.
الجذر الفلسفي: حين لا يقتل التنوير الأب بل يُعيد تسميته
ثمة روايةٌ سائدةٌ عن عصر الأنوار تقول إنه كان قطيعةً حضاريةً حقيقيةً مع سلطة الدين والخرافة، وأن ما نشهده اليوم من عودة الديني المتطرّف إلى السياسة هو نكوصٌ عن مكتسباتٍ تاريخية. لكن هذه الرواية تستحق أن تُقرأ من جديدٍ بعيونٍ أكثر نقدية، لأن الأدلة التاريخية تُشير إلى شيءٍ مختلف: عصر الأنوار لم يقتل الأب الروحي بل أعاد تسميته، ولم يُلغِ البنية الدينية للتفكير بل استبدل مفرداتها.
الدليل الأوضح على ذلك هو الاستعمار الأوروبي الذي ازدهر في ذروة عصر الأنوار ولم يكن أقل وحشيةً من الحروب الصليبية التي سبقته، غير أن مبرره تحوّل من “نشر الإيمان” إلى “نشر الحضارة والتقدم” ولاحقًا نشر (الديمقراطية). الهيكل واحد: شعبٌ متفوقٌ يحمل رسالةً كونيةً تُلزمه بتعليم الشعوب المتخلفة الطريق الصحيح! ولو بالقوة. فقط استُبدلت الكنيسة بالعلم، والتبشير بالتحديث، والخلاص في الآخرة بالتقدم في الدنيا. ميشيل فوكو رصد هذه الآلية بدقةٍ حين بيّن أن السلطة لا تختفي بل تتحول، وأن الخطابات التي تبدو تحريريةً تحمل في داخلها آليات ضبطٍ وإخضاعٍ أكثر تعقيدًا وأشد فاعليةً من الأساليب التي تُدّعى أنها تجاوزتها.
فريدريك هيغل الذي رأى في نابليون “روح العالم على صهوة جواد” وظن أنه يشهد ذروة العقل التاريخي المتجسد، اهتزت يقينياته حين شهد أهوال ما فعله هذا العقل ببروسيا بلده. لكن الأعمق من هذه الهزة الشخصية هو ما تكشفه عن هشاشة اليقين التنويري ذاته: حتى أعظم فيلسوفٍ وصف ذروة العقل الإنساني في شخصٍ واحد، لم يستطع أن يرى أن هذا العقل يحمل في داخله بذور نقيضه. وفريدريك نيتشه كان أكثر صراحةً حين قال إن الغرب قتل الإله لكنه لم يستطع العيش بلا بديلٍ مقدس، فملأ الفراغ بأصنامٍ جديدة: الدولة، العرق، التقدم، الحضارة. وما نشهده اليوم من عودة الديني المتطرّف الصريح إلى قلب السياسة الغربية هو في جزءٍ منه كشفٌ لهذا القناع وسقوطٌ لادعاء أن القطيعة مع الأصل كانت حقيقية.
فالفرع لم يعد إلى الأصل من فراغٍ بل عاد لأن الأصل لم يُقطع أصلاً بالكامل. الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية وحروب “نشر الديمقراطية” تنتمي إلى الشجرة ذاتها وإن اختلفت أوراقها. والفارق الجوهري بين غزو القدس في القرن الحادي عشر وما يجري اليوم ليس في البنية المنطقية للمشروع بل في أدواته وخطابه الظاهري. الأداة تطورت من السيف إلى القنبلة الذكية، والخطاب تطور من الفرمان الكنسي إلى قرار مجلس الأمن، لكن المنطق الكامن، منطق من يملك الحق المطلق في تحديد من يستحق الأرض والحياة والمستقبل، بقي كما هو.
هذا لا يعني أن التاريخ يدور في حلقةٍ مغلقة بلا تقدمٍ ممكن. يعني فقط أن التقدم الحقيقي لا يبدأ بادعاء القطيعة مع الماضي بل بالوعي الصادق بالاستمرارية الخفية التي تربطنا به. من لا يرى هذه الاستمرارية سيظل يستغرب تناقضاتٍ ليست في الحقيقة تناقضاتٍ بل تجلياتٌ لمنطقٍ واحدٍ متسق.
فصل الفكرة عن حاملها: الشرعية تُبنى بسلطة المعرفة
أمام هذا المشهد بكل ثقله وتعقيده، تبرز إغراءاتٌ فكريةٌ مفهومةٌ لكنها خاطئة. الإغراء الأول هو رفض كل ما أنتجه الغرب من مفاهيمٍ وقيمٍ بحجة أن من أنتجها فاسدٌ وصاحب مصالح. والإغراء الثاني هو قبولها كما هي بحجة أنها حقائق كونيةٌ تسمو فوق من يحملها. وكلا الإغراءين يُودي بأصحابه إلى طريقٍ مسدود.
أنطونيو غرامشي في تأمله لآليات الهيمنة الثقافية وضع يده على المعضلة بدقة: المهيمن لا يحكم فقط بالقوة بل بجعل المهيمن عليه يرى العالم بعيون المهيمن ذاته. الخروج من هذه الهيمنة لا يكون بالرفض الأعمى للغة السادة، لأن ذلك يتركك بلا لغةٍ تتكلم بها إلى العالم، بل بامتلاك ما سماه “المثقف العضوي”: ذلك الذي ينتج مفاهيمه من داخل تجربته الحقيقية لا من استيرادٍ أعمى ولا من رفضٍ مطلق.
فصل الفكرة عن حاملها ليس ترفًا فلسفيًا بل ضرورةٌ منهجية. الديمقراطية كفكرةٍ لا تبطل لأن أمريكا تنتهكها. والعدالة كمفهومٍ لا تسقط لأن محاكمها مسيّسة. وحقوق الإنسان لا تصبح باطلةً لأن من يرفعها يقتل أطفالاً في غزة ويدمر البشر والحجر في لبنان. الخلط بين الفكرة وممارسها هو بالضبط الفخ الذي يريد الخصم الأيديولوجي أن تقع فيه، لأنك حين تُسقط الفكرة بسبب من أساء استخدامها تجد نفسك بلا أرضيةٍ نقديةٍ تقف عليها، وتترك له وحده حق الادعاء بها.
هنا تحديدًا تكمن سلطة المعرفة كمنطلقٍ للشرعية. ليست الشرعية ما تأخذه بالقوة ولا ما يُمنح لك باعترافٍ دوليٍّ مشروط. الشرعية الحقيقية الدائمة هي تلك التي تُبنى حين تمتلك القدرة على إنتاج المعنى وتعريف المفاهيم وصياغة الأسئلة التي يضطر الجميع للإجابة عنها. الحركات التي غيّرت التاريخ لم تبدأ بالجيوش بل بالأفكار التي جعلت الجيوش ضروريةً أو جعلتها عبثًا. الثورة الفرنسية صدّرت مفاهيمها قبل أن تصدّر جيوشها. والماركسية أجبرت الرأسمالية على إعادة اختراع نفسها لا بالسلاح بل بقوة السؤال الذي طرحته على العالم.
غير أن هذا المنطق نفسه يُلزمنا بمواجهة سؤالٍ لا يُحسن المشروع الجاد تجاهله: إذا كانت كل حركةٍ فكريةٍ كبرى في التاريخ قد انتهت إلى احتكار المفهوم الذي انطلقت لتحريره، فما الذي يضمن ألا يُصبح “الإنسانية كأرضية” مفهومًا فارغًا آخر تملأه القوى الأقدر تنظيمًا والأعلى صوتًا؟ وإذا كانت الماركسية التي طرحت سؤال العدالة الطبقية قد أُعيد توظيفها لخدمة أنظمة الحزب الواحد، وإذا كان مؤتمر باندونغ الذي رفع راية التضامن بين الجنوب قد تحوّل إلى تكتلٍ تناحرت فيه المصالح وتفككت فيه الوحدة الموعودة، فبأي منطقٍ نعتقد أن هذا المشروع محصّنٌ من المصير ذاته؟
الإجابة الأمينة ليست أن هذا المشروع محصّنٌ بطبيعته، بل أن ثمة شرطًا بنيويًا واحدًا يُحدد الفارق بين المشاريع التي تتحول إلى طغيانٍ جديد والمشاريع التي تحافظ على طابعها التحرري: هل المرجعية المشتركة مبنيةٌ على اتفاقٍ في الإجابات أم على اتفاقٍ في منهج طرح الأسئلة؟ باندونغ فشل لأنه بنى تضامنه على هويةٍ مشتركة ومصالح مشتركة، وكلاهما قابلٌ للتعارض والتفكك. المشروع الذي يمكنه الصمود هو ذاك الذي يتأسس لا على “نحن نتفق في ما نؤمن به” بل على “نحن نتفق في حقنا المتساوي في طرح السؤال وفي رفض الوصاية على الإجابة”. هذا الفارق الدقيق ربما سيكون موضوع مقالةٍ قادمة تُشرّح شروط المشروعية في التضامن الفكري وحدوده، لكن استحضاره هنا ضروريٌّ قبل الخطوة التالية.
المشروع البديل: تحالف الإنسان خارج وصاية المركز
إذا كانت الإنسانية هي الأرضية الوحيدة التي لا يستطيع أحدٌ رفضها علنًا دون أن يفضح نفسه، والعدالة بمعاييرٍ موحدةٍ هي المطلب الذي يُعرّي التناقض في كل من يدّعيها ويمارس نقيضها، فإن السؤال الذي يتبقى هو: كيف يتحول هذا من تشخيصٍ نقدي إلى مشروعٍ فعلي؟
المفكر البرتغالي بوينافنتورا دي سوسا سانتوس طرح مفهوم “إبستيمولوجيا الجنوب” كإطارٍ لفهم كيف يمكن لمعرفةٍ غير غربية المركز أن تتراكم وتتشكل وتتحالف. ليس الجنوب هنا جغرافيًا صرفًا بل هو كل من يعيش داخل منظومة مفاهيمٍ لم يصغها ولا تخدمه: الأفريقي الذي لا تزال حدود بلاده خطوطًا رسمها مستعمرٌ على مائدة مؤتمرٍ لم يُدعَ إليه، والأمريكي اللاتيني الذي جرّب كل وصفات صندوق النقد الدولي ونزف، والآسيوي الذي تُقال له نهضته مشروطةٌ بشروط من سبقوه، والعربي الذي يجد نفسه محكومًا بتعريفاتٍ لا يملك مفاتيحها.
هؤلاء جميعًا يشتركون في تجربةٍ واحدة لا في هويةٍ واحدة، وهذا الفارق جوهريٌّ ويستحق التوقف عنده. الهوية المشتركة مادةٌ قابلةٌ للاستغلال والتحريف، لأن من يتحكم في تعريف الهوية يتحكم في من يُدرج ضمنها ومن يُقصى عنها، وهذا هو المدخل الذي دخل منه الوصيُّ الجديد في كل تجربة تحررٍ سابقة. أما التجربة المشتركة فطبيعتها مختلفة: لا يمكن لأحدٍ أن يُعرّف لك تجربة أن تُحكم عليك بميزانٍ لم تشارك في صياغته، لأن هذه التجربة ذاتية الإثبات، من لا يحملها لا يستطيع ادعاءها، ومن يحملها لا يحتاج من يُثبتها له. وهذه الأرضية المشتركة أوسع بكثيرٍ مما يبدو للوهلة الأولى، لأنها تشمل أيضًا كل صوتٍ غربيٍّ صادقٍ يرى التناقض ويرفضه، من أنجيلا ديفيس إلى إيلان بابي إلى نعوم تشومسكي، هؤلاء ليسوا حلفاءًا من باب اللطف بل شهودٌ من داخل المنظومة لا يمكن إسكاتهم بتهمة العداء الحضاري.
الأداة لبناء هذا التحالف موجودةٌ ولأول مرةٍ في التاريخ بلا وسيطٍ إجباري. الربط الرقمي الذي بنته المنظومة المهيمنة لخدمة تدفق معلوماتها وسلعها وسردياتها، أصبح أداةً قابلةً للاستخدام في الاتجاه المعاكس. مفكرٌ في لاغوس وآخر في كراكاس وثالثٌ في بيروت ورابعٌ في جاكرتا يستطيعون اليوم أن يبنوا معًا منظومةً مفاهيميةً مشتركةً دون أن تُرشّحها دارُ نشرٍ في لندن أو مجلةٌ أكاديميةٌ في نيويورك. هذا لم يكن ممكنًا زمن فرانز فانون ولا زمن مؤتمر باندونغ.
لكن الأداة وحدها لا تكفي، والتاريخ يُثبت أن الفضاء المفتوح لا يُنتج بالضرورة خطابًا أكثر عدلاً، بل قد يُنتج فوضى أصوات تُشوّش أكثر مما تُنير. ما يميز هذا المشروع عن مجرد ضجيج الأصوات الرقمية المتناثرة هو الشرط الذي أشار إليه يورغين هابرماس حين تحدث عن الفضاء العام، وإن كان تصوره لهذا الفضاء لا يزال غربي المركز: الحوار المُنتج يحتاج قواعد مشتركةً للنقاش لا قيادةً مركزيةً تُملي النتائج. والفارق بين القاعدة المشتركة للنقاش وبين القيادة المركزية هو بالضبط الفارق بين مشروعٍ يحمل المناعة الذاتية ومشروعٍ يحمل بذور اختطافه في داخله. المشروع البديل يحتاج ما هو أدق من التنظيم وأصلب من العفوية: شبكةٌ أفقيةٌ من العقول المتفقة على مبادئ تأسيسيةٍ لا على قيادةٍ واحدة، لأن المركزية هي نقطة الضعف الأولى التي يستهدفها الخصم، وهي أيضًا نقطة الانهيار الأولى حين يبدأ المشروع بالنجاح وتتسلل إليه إغراءات السلطة.
المبادئ التأسيسية التي يقترحها هذا المشروع أربعة، وطبيعتها منهجيةٌ إجرائية لا عقديةٌ إيمانية: الإنسانية كأرضيةٍ لا تقبل الاستثناء، والعدالة بمعاييرٍ موحدةٍ تُلزم الجميع لا تحمي البعض، وفصل الفكرة عن حاملها الفاسد كمنهجٍ يمنع الوقوع في فخ الرفض الأعمى أو الاستيراد الساذج، وأخيرًا سلطة المعرفة المنتجة من داخل التجربة الحقيقية لا المستوردة ولا المُلفّقة. هذه المبادئ لا تُخبرك بما يجب أن تُؤمن به بل بكيفية النقاش الذي يجعل الاتفاق ممكنًا والخلاف مثمرًا، وهذا هو الفارق الجوهري الذي يحول دون تحوّلها إلى عقيدةٍ جديدة تستبدل الوصاية بوصاية.
الخاتمة: اللحظة التاريخية وثقلها
في كل مرحلةٍ من مراحل التحول الكبرى في تاريخ البشرية، كانت ثمة لحظةٌ يصبح فيها الوضع القائم عبئًا أثقل من أن تحتمله بنيته الداخلية فينهار لا بفعل قوةٍ خارجيةٍ تهدمه بل بتناقضاته الداخلية التي تبلغ حد الانفجار. ما نشهده اليوم يحمل ملامح هذه اللحظة.
المنظومة التي تدّعي احتكار العدالة والحرية وحقوق الإنسان تجد نفسها أمام صورٍ يصعب تبريرها بأي خطابٍ مهما بلغت مهارة أصحابه. شرعيتها تتآكل ليس لأن خصومها أقوياء بل لأن تناقضاتها الداخلية باتت فاقعةً لا يُخفيها بريق الأدوات ولا ضجيج الإعلام. وهذه اللحظة بالذات، رغم كل قسوتها، هي اللحظة الأنسب لمشروعٍ فكريٍّ جدي.
ليس المطلوب أن ينتصر هذا المشروع غدًا، فمعارك المعنى لا تُحسم بسرعة معارك السلاح، ولا أن يُجيب عن كل أسئلته في هذه الصفحات. هذا الاقتراح يضع الأساس ويسمّي التحديات ولا يدّعي استنفاد الإجابات، لأن مشروعًا يدّعي اكتمال بنائه في مقالةٍ واحدة لا يختلف في خيلائه عن تلك المشاريع التي جاء لنقدها. المطلوب أن يبدأ بصدقٍ وعمقٍ وانضباطٍ فكريٍّ يجعله قادرًا على الاستمرار والتراكم، وأن تُبنى كل طبقةٍ جديدةٍ فيه على نقد الطبقة التي قبلها لا على تكريسها. كل فكرةٍ غيّرت العالم بدأت بأقليةٍ واعيةٍ رفضت أن تفكر بمفردات من تواجههم، وامتلكت الجرأة على صياغة مفرداتها الخاصة.
الشرط الوحيد الذي لا تنجح هذه الأفكار بدونه هو الصدق: الصدق في تشخيص الذات قبل تشخيص الآخر، والصدق في الاعتراف بالتعقيد قبل الادعاء بالبساطة، والصدق في أن الإنسانية ليست شعارًا يُرفع بل مسؤوليةٌ تُحمل، وأن حراسة المشروع من الوقوع في النقيض الذي ينقده ليست مهمةً تُنجز مرةً واحدةً بل يقظةٌ دائمة.
العالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من الأصوات الغاضبة فهي موجودةٌ بوفرةٍ تُربك لا تُنير. يحتاج أصواتًا قادرةً على تحويل الغضب المشروع إلى مشروعٍ مشروع: منظومةٌ فكريةٌ إنسانيةٌ تتكلم بلغة العالم كله، وتطرح معاييرَ لا يستطيع أحدٌ رفضها دون أن يرفض إنسانيته أمام الملأ.
هذه هي سلطة المعنى حين تُستعاد.