​لبنان على حافة الهاوية: حين تغيب توازنات القوى وتُستأجر الشرعيات

​لبنان على حافة الهاوية: حين تغيب توازنات القوى وتُستأجر الشرعيات

علي فضة |

“هذه المقالة، هي تحليل سياسي معاش، يسعى إلى قراءة المشهد بصدق تام بعيدًا عن تبريد الجمر، ولا تتبنى موقفًا من أي فريق بقدر ما تحاول تشريح المعادلة بعمق ومسؤولية.”

حين تغيب توازنات القوى وتُستأجر الشرعيات ويُراهَن على نوايا المُدمِّر!


ما الذي تغيَّر فعلاً؟
لم يكن لبنان يومًا دولةً بالمعنى الكامل للكلمة «هذه مسلمة علمية وفقًا لمعايير الدول» ، بل كان دومًا فضاءً للتوازنات، تتقاطع فيه الهويات وتتصادم المشاريع وتتفاوض المصالح. غير أن هذا الفضاء كان يحتمل الصراع ضمن محددات لتوازنات أشبه بالراسخة، توازنات تاريخية وقوة وتمثيل فعلي.
ما يجري اليوم مختلف في جوهره. فلأول مرة منذ انتهاء من الحرب الأهلية 1976 ، يجد لبنان نفسه أمام معادلة رباعية الخطورة لا ثلاثية:
أولاً: انقسام عامودي حاد يشق المجتمع من القمة إلى القاعدة على خط لا تقاطع فيه.
ثانيًا: احتلال إسرائيلي فعلي لأجزاء من أرضه يُسقط أي حديث عن سيادة أو توازن داخلي والحرب ما زالت.
ثالثًا: غياب توازن القوى الداخلي الذي كان يُجبر الأطراف تاريخيًا على التسوية.
رابعًا: فريق كامل يدّعي حماية لبنان بالاستناد إلى من دمّره او الى الراعي المباشر للمُدمِّر! ويُسوّق الاستسلام بلباس الحكمة السياسية (التاريخ زاخر بأمثلة كثيرة، لكن ما يجري سابقة اذا ما قاربنا الحالة باستبصار معرفي)
هذه المعادلة الرباعية لم تجتمع في لبنان من قبل بهذه القتامة. وفهم كل ضلع منها بعمق هو اداة شرطية لفهم المشهد برمّته.


أولاً: الانقسام العامودي وسقوط وهم التعايش.
ثمة فارق جوهري بين الانقسام الأفقي والانقسام العامودي في السياق اللبناني.
الانقسام الأفقي هو ذلك الانقسام الذي يتقاطع مع خطوط الطوائف لكنه لا يُطابقها كليًا، ويُبقي دومًا هامشًا للتفاوض لأن كل طرف يجد في الطرف الآخر شريكًا محتملاً أو خصمًا مؤقتًا. هذا النوع من الانقسام عرفه لبنان طوال تاريخه وتعايش معه لأنه كان قابلاً للإدارة.
أما الانقسام العامودي فهو الذي يشق المجتمع من القمة إلى القاعدة على خط واحد صارم لا تقاطع فيه، حيث يرى كل طرف في الآخر خصمًا وجوديًا لا يمكن التسوية معه. وهذا هو ما يجري اليوم حقيقة.
فريق كامل بات ينعى العيش المشترك صراحةً، ليس بمعنى الحنين إليه بل بمعنى إعلان استحالته. وفريق آخر بات ينعى الـ١٠٤٥٢ كيلومترًا مربعًا ذاتها، أي أنه لم يعد يرى في لبنان بحدوده الراهنة وطنًا قابلاً للاسترداد أو الدفاع عنه بوصفه كيانًا موحدًا.
هذان النعيان معًا، نعي الوطن ونعي العيش المشترك، لا يصدران عن خصومة سياسية عادية. هما إعلان صريح بأن الأساس الذي قام عليه الكيان اللبناني منذ 1943 بات موضع تشكيك وجودي من الطرفين في آنٍ واحد رغم مكابرة البعض من الفريقين.
التركيبة اللبنانية بطبيعتها لا تحتمل هذا النوع من الانقسام. لأن لبنان لم يُبنَ يومًا على منطق الأغلبية التي تفرض إرادتها المطلقة، بل بُني على منطق تدوير الزوايا، حلول وسط، اهمهما التوافق الذي يستلزم أن يجد كل طرف في الآخر شريكًا لا عدوًا وجوديًا. وحين يسقط هذا المنطق، يسقط معه العقد الاجتماعي الضمني الذي أتاح للبنان أن يستمر رغم كل هشاشته البنيوية.


ثانيًا: الاحتلال الذي لا يُسمّى باسمه
ثمة حقيقة يتعمد الخطاب السياسي اللبناني السائد تليينها أو الالتفاف عليها، وهي أن لبنان يعيش اليوم تحت احتلال فعلي لأجزاء من أرضه.
هذه الحقيقة ليست تفصيلاً هامشيًا في المشهد، بل هي المدخل الذي يُفسّر كل شيء آخر. لأن الحديث عن أزمة داخلية وانقسام سياسي وخيارات دبلوماسية في ظل احتلال فعلي وحرب دائرة، ذلك نوع من المغالطة المنهجية التي تُقدّم الأعراض بمعزل عن المرض الأساسي.
إسرائيل تحتل أرضًا لبنانية وتنتهك السيادة اللبنانية يوميًا بالغارات والاختراقات والتهديدات المتواصلة. وهي لم تتوقف عن ذلك لحظةً واحدة حتى في ظل كل المفاوضات والوساطات الجارية منذ اعلان وقف اطلاق النار في آذار 2024.
وهذا الاحتلال يُعيد إلى الأذهان سياقًا تاريخيًا جوهريًا: حين جاء اتفاق الطائف عام 1989، كانت إسرائيل تحتل الجنوب اللبناني. ولهذا السبب تحديدًا بقيت المقاومة خارج إطار الاتفاق ولم يُطالَب بنزع سلاحها، لأن وجود الاحتلال كان يمنح هذا السلاح مبررًا وظيفيًا شُرعِن لاحقًا باتفاقية نيسان، كما ان الأمم المتحدة مشرعنةً اياه بمواثيقها كما شرعنت اي سلاح يواجه احتلال في ظل عجز الدولة، لذلك لا يمكن نزعه بقرار سياسي في ظل وجود محتل لا يزال على الأراضي اللبنانية.
اليوم المنطق نفسه قائم بل أشد إلحاحًا. لأن الاحتلال لا يزال يطال أرضًا لبنانية، والانتهاكات لا تزال يومية، والغطاء الدولي لهذا الاحتلال لا يزال يُوفّر له الحماية السياسية اللازمة والديمومة المطلوبة.
فكيف يُطالَب بنزع سلاح المقاومة في مواجهة احتلال لم ينسحب، وبالتفاوض مع محتل لا يزال على الأرض؟


ثالثًا: درس 1976 والفارق الساطع
في عام 1976، حين بلغ الصراع اللبناني ذروته الأولى، كانت ثمة معادلة واضحة المعالم على الأرض:
الفلسطيني بثقله العسكري الحقيقي وحضوره الميداني الكثيف. واليمين المسيحي بتنظيمه وتسليحه وتماسكه الداخلي. والحركة الوطنية بزخمها الشعبي. والجيش السوري الذي دخل فاصلاً لا حاسمًا.
هذا التوازن، رغم فداحة الدم الذي أُريق لإنتاجه، كان في نهاية المطاف توازن حقيقي أجبر الجميع على القبول بصيغة للتعايش ولو مؤقتة. لم يكن أحد قادرًا على تقديم نصر صريح، فاضطر الجميع إلى التفاوض من موقع الندّية النسبية وكل اخذ حصته.
اليوم المشهد مختلف اختلافًا جذريًا وجوهريًا، والفارق ساطع لمن يريد أن يرى.
فريق واحد يمتلك قوةً عسكريةً راسخة أثبتت صمودها في مواجهة آلة حرب من أقوى آلات الحرب في المنطقة. ويمتلك بيئةً اجتماعيةً صامدة دفعت الثمن الأكبر ولم تنكسر. ويمتلك تجذرًا شعبيًا لا يمكن اختزاله في حصة طائفية أو حسابات انتخابية.
وفريق آخر يمتلك شرعيةً دوليةً وأمريكيةً وخطابًا سياسيًا. لكنه يفتقر إلى قوة توازن حقيقية على الأرض تُجبر الطرف الآخر على التفاوض معه من موقع الندّية.
وهنا بالضبط يكمن الخطر الوجودي. لأن حين يغيب توازن القوى الداخلي لا تنتهِ الحروب الأهلية بتسوية تعكس موازين الأطراف. تنتهي بإملاء يفرضه المنتصر ويحمل في طياته بذور الحرب التالية. والفارق بين التسوية والإملاء هو الفارق بين دولة تُعاد وكيان يُصفَّى.


رابعًا: وهم التفاوض — الاستسلام بلا أوراق في ظل معركة لم تُحسم
التفاوض وشروطه الجوهرية
التفاوض بمعناه الحقيقي عملية تبادل بين طرفين أو أكثر، كل منهم يمتلك ما يُغري الطرف الآخر بالجلوس إلى الطاولة. وهذا يعني حتمًا أن المفاوض يحمل معه أوراق ضغط حقيقية تجعل رفضه للشروط المطروحة مكلفًا على الطرف الآخر.
وحين تغيب هذه الأوراق لا يعود ما يجري تفاوضًا بأي معنى دقيق. يصبح استسلامًا يُلبَس لباس الدبلوماسية، وتوقيعًا على شروط الطرف الأقوى يُسمى اتفاقًا.
الفريق اللبناني الذي يدعو إلى التفاوض المباشر وباشر بذلك فعليًا، اليوم يقع في هذه المعضلة بالضبط. فهو يفتقر إلى ثلاثة شروط لا يقوم التفاوض الحقيقي بدونها:
الشرط الأول: امتلاك القرار.
التفاوض يستلزم أن يكون المفاوض صاحب قرار فعلي يملك القدرة على الوعد والوفاء، والتهديد والتنفيذ. لكن هذا الفريق لا يملك قرارًا مستقلًا حقيقيًا. قراره مرهون بموافقة واشنطن في حدوده ومضمونه وتوقيته؛ هذا يعني أنه لا يُفاوض بإرادته بل ينفّذ أجندةً ليس هو من رسمها.
الشرط الثاني: الجلوس إلى الطاولة بعد انجلاء الميدان.
في كل التجارب التفاوضية الحقيقية لا يجلس أحد إلى الطاولة قبل أن تتضح نتائج الميدان او بناء على ايقاعه ودراسة الجدوى وقياس التكلفة. لأن الميدان هو من يرسم حدود ما هو مقبول وما هو مرفوض. من يذهب إلى التفاوض قبل انجلاء الغبار يتنازل مسبقًا عن ورقة الميدان ويمنح الطرف الآخر هديةً مجانية لم يكن قادرًا على انتزاعها بالقوة وحدها.
الشرط الثالث: وجود ما تتفاوض عليه.
ماذا يملك هذا الفريق ليضعه على الطاولة؟ لا يمتلك ورقة السلاح لأن السلاح ليس بيده. ولا يمتلك ورقة الشارع لأن الشارع اللبناني في اكثريته لا يقبل التفاوض المباشر مع إسرائيل. ولا يمتلك ورقة الشرعية الكاملة لأن تمثيله للبنان بات موضع جدل عميق. فعلى ماذا يتفاوض بالضبط؟
الاستسلام المُقنَّع وآليات تسويقه.
حين يغيب التفاوض الحقيقي ويحضر الاستسلام تبرز حاجة ماسة إلى تغليفه بخطاب يجعله مقبولاً أو على الأقل محتملًا. وهذا التغليف يأخذ أشكالًا متعددة:
خطاب الواقعية الذي يقول إن المقاومة خسرت وإن الاستمرار في الرفض مجرد عناد يزيد الثمن. وهذا الخطاب يتجاهل أن الميدان لم يُحسم بعد، وأن من يُقرر الخسارة قبل إعلانها يصنع هزيمةً لم تقع.
خطاب الدولة الذي يقول إن التفاوض هو طريق بناء الدولة واسترداد السيادة. لكنه يتجاهل أن الدولة التي تُبنى على اتفاق مع محتل لا يزال يحتل أرضها لا تكون دولةً ذات سيادة بل واجهةً تُدار من الخارج.
خطاب الإنقاذ الاقتصادي الذي يقول إن الاتفاق سيُفتح به باب المساعدات ورفع العقوبات. وهذا يطرح سؤالاً أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا: هل السيادة والأرض والكرامة الوطنية سلعة تُباع مقابل حزمة مساعدات دولية؟
هذه الخطابات الثلاثة مجتمعةً تصنع غلافًا ناعمًا لما هو في جوهره إذعان لشروط طرف يمتلك القوة ويريد انتزاع ما عجز عن انتزاعه ميدانيًا بتوقيع سياسي.


خامسًا: مفارقة الحماية بيد المدمِّر — سقوط الحجة قبل بناؤها
الادعاء وجوهره.
يُقدّم الفريق الداعي إلى التفاوض خطابه بلغة الحماية والحكمة والواقعية السياسية. يقول إن الانخراط في المسار الأمريكي الإسرائيلي هو الطريق الوحيد لحماية لبنان من مزيد من الدمار.
هذا الخطاب يبدو في ظاهره منطقيًا. لكنه حين يُفحص بأدنى قدر من التدقيق يكشف عن تناقض وجودي صارخ يسقط الحجة من أساسها. لأن السؤال البسيط الذي لا يملك هذا الفريق إجابةً مقنعة عنه هو:
كيف يحمي لبنانَ من الدمار بالاستناد إلى من دمّره؟
سجل المدمِّر الذي يُراهَن على نواياه…
إسرائيل التي يُراهن هذا الفريق على نواياها الحسنة هي نفسها إسرائيل التي دمّرت البنية التحتية اللبنانية مرةً بعد مرة في سلسلة متواصلة من العدوان لم تتوقف منذ 1978. واغتالت الرؤساء والقادة على الأرض اللبنانية. واحتلت الجنوب لعقود مارست خلالها كل أشكال القمع والتدمير. ولم تُبقِ حجرًا على حجر في عدوانها الأخير على الجنوب والضاحية وأجزاء من لبنان. ولا تزال تحتل أرضًا لبنانية وتنتهك السيادة يوميًا حتى اللحظة التي يتحدث فيها هذا الفريق عن التفاوض معها. والمشكلة هي الرهان على الضامن الأمريكي او الدولي هذا الطرح هو الاخر بلغ حدًا من الاستهلاك القاتل وما زال.
هذا هو سجل الطرف الذي يُراهَن على نواياه لحماية لبنان. ولا يحتاج المرء إلى عمق تحليلي كبير ليرى أن بناء الحماية على نوايا هذا الطرف تحديدًا هو ما يجعل هذا الخطاب، بكل ما فيه من ادعاءات، نكتةً سمجةً ذات ثمن وطني باهظ.
الرهان على النوايا كمنهج سياسي
المشكلة لا تقف عند حدود السخرية المرّة. المشكلة أن الرهان على نوايا العدو بوصفه منهجًا سياسيًا هو في حد ذاته انهيار في البنية التحليلية لأي فريق يدّعي الدفاع عن مصالح وطنية.
الدول لا تتحرك بالنوايا بل بالمصالح. ومصلحة إسرائيل في لبنان محددة وثابتة منذ عقود: تفكيك المقاومة، وضمان أمن حدودها الشمالية، وإدماج لبنان في منظومة إقليمية تقبل بوجودها. أي أن ما تريده إسرائيل من لبنان ليس حمايته بل توظيفه. وما يحصل عليه لبنان من هذه المعادلة ليس الأمان بل الإذعان _ هذا دون الحديث عن “اسرائيل” وما تريده لنفسها منذ نشأتها.
الرهان على نوايا طرف هذه مصالحه الثابتة ليس سياسةً واقعيةً بل هو إما سذاجة لا تُغتفر في السياسة، أو غطاء خطابي لخيار مُتّخذ مسبقًا لأسباب لا علاقة لها بحماية لبنان.


سادسًا: الشرعية المستأجرة وخطر الوهم
الفريق المنخرط في المسار الأمريكي لا يمتلك في حقيقته شرعيةً ذاتيةً مستقلةً كافيةً لفرض معادلة داخلية. شرعيته مستمدة أساسًا من الغطاء الأمريكي ومن الضغط الدولي المصاحب له بتفاوت، ومن رهانه على أن هذا الضغط سيُعيد رسم التوازنات الداخلية لصالحه.
لكن التاريخ القريب يقول شيئًا آخر تمامًا.
واشنطن أعطت لبنان لسوريا عام 1990 حين اقتضت مصالحها ذلك في سياق التحالف الدولي لتحرير الكويت، ولم يسأل أحد في واشنطن عن ثمن ذلك على اللبنانيين. وأعطت العراق لإيران فعليًا بعد 2003 حين أسقطت النظام وتركت الفراغ يُملأ بمن هو أكثر استعدادًا لملئه. وتخلّت عن مبارك في 18 يومًا حين رأت أن التضحية به أقل كلفةً من الدفاع عنه و … الخ من الأمثلة الأمريكية التي تقول صراحة «نحن ليس لدينا حلفاء، ما لدينا هو المصالح».
والسيناريو الأكثر إقلاقًا اليوم هو سيناريو الاتفاق الأمريكي الإيراني أو الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة. هذا السناريو يبدو نظريًا لكنه ممكن ولا يستطيع أحد الجزم بخطئهِ دون اثبات عكسه “كأي معادلة رياضية” . فإذا وقع إحتمالًا هذا السيناريو فما هي الشرعية المتبقية للفريق الذي رهن كل أوراقه على الغطاء الأمريكي؟
تمامًا كما أُعطي لبنان لسوريا ضمن تسوية إقليمية لم يكن طرفًا فيها، يمكن أن يُعطى لمحور إقليمي آخر. والمفارقة المأساوية أن الفريق الذي يرفع شعار السيادة هو نفسه الذي يجعل مصير لبنان رهينةً لقرار يُتّخذ في واشنطن لا في بيروت.


سابعًا: الشعب اللبناني والخط الأحمر الجامع
لبنان بلد الانقسامات الشهيرة. منقسم طائفيًا ومناطقيًا وأيديولوجيًا وتاريخيًا. لكن في هذا البلد المنقسم ثمة خط أحمر شعبي أقله، جامع، خط واحد تلتقي عنده الغالبية الساحقة من مكوناته: العداء لإسرائيل ورفض التطبيع معها وإن أصبح كأسهم البورصة مؤخرًا على المستوى السياسي.
هذا الخط ليس مجرد موقف سياسي قابل للمراجعة. هو متجذر في تجربة تاريخية مباشرة ومريرة مع الاحتلال والتدمير والتهجير والاغتيال. المسيحيون الذين عاشوا تجربة 1982 وما تلاها يعرفون ماذا يعني الرهان على إسرائيل. والشيعة الذين دفعوا ثمن الجنوب المحتل لعقود يعرفون. والسنة والدروز وسواهم، كل هؤلاء يلتقون على هذا الخط رغم كل خلافاتهم.
الاستثناء الوحيد هو اليمين التاريخي وحلفاؤه الذين يرون في إسرائيل حليفًا محتملاً في مواجهة ما يعتبرونه خطرًا داخليًا أكبر. لكن حتى هذا اليمين بجناحه الأكثر وعيًا يعرف، أو يجب أن يعرف، أن التطبيع العلني مع إسرائيل ثمنه الشارع قبل الخصم.
فمن يذهب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل لا يمثل حتى بيئته الطائفية بالكامل، ناهيك عن أن يدّعي تمثيل لبنان.
وهذه إشكالية شرعية جوهرية تُفرغ أي اتفاق يُبرم من مضمونه الشعبي قبل أن يجف حبره.


ثامنًا: درس بشير وأمين — حين كان اليمين أقوى وفشل
لا يمكن فهم المشهد الراهن دون استحضار الدرس الجوهري الذي قدّمه بشير الجميل عام 1982. فعلى الرغم من أنه وصل إلى سدة الرئاسة بدعم إسرائيلي مباشر وفي خضم احتلال إسرائيلي طال بيروت ذاتها، فإنه أبدى تحفظًا جوهريًا على إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل دون موافقة المكوّن اللبناني الجامع بكل أطيافه. كان يعلم أن الشرعية التي تمنحها الدبابة الخارجية شرعية منقوصة وهشة لا تصمد.
أما الدرس الأكثر دلالةً فيتجلى في تجربة اتفاق 17 ايار 1983 الذي أبرمه أمين الجميل مع إسرائيل تحت الرعاية الأمريكية. وقد جاء الاتفاق في لحظة كانت فيها موازين القوى أقرب إلى التعادل مما هي عليه اليوم. ومع ذلك سقط الاتفاق في أقل من عام بفعل الانتفاضة الشعبية والعسكرية المعروفة بـ “انتفاضة 6 شباط”. والانكشاف الأمريكي إثر تفجير مقر المارينز، ورفض شريحة واسعة من الطائفة المارونية ذاتها للاتفاق. وأُجبر أمين الجميل على إلغائه في آذار عام 1984 في واحدة من أشد الإخفاقات إيلامًا في تاريخ لبنان الدبلوماسي.
والمفارقة المأساوية اليوم أن من يذهب نحو هذا المسار يفعل ذلك من موقع أضعف بكثير مما كان عليه أمين الجميل، وفي مواجهة فريق داخلي أقوى بكثير مما كانت عليه حركة أمل والحركة الوطنية عام 1983.
فإذا سقط اتفاق 17 ايار بكل ما كان خلفه من ثقل وغطاء وموازين أقرب إلى التعادل، فكيف لن يسقط ما هو أضعف منه وأقل سندًا وأوضح تفاوتًا في موازين القوى؟


تاسعًا: أزمة الطائف وسؤال العقد الاجتماعي
جاء اتفاق الطائف عام 1989 ثمرةً لتوافق إقليمي دولي استثنائي جمع السعودية وسوريا وأمريكا. كل طرف قدّم شيئًا وأخذ شيئًا، وكان لبنان ثمنًا مشتركًا بينهم لا طرفًا في التفاوض. وقد أسّس الطائف لنظام يقوم على المحاصصة الطائفية المتوازنة، وترك مسألة سلاح المقاومة معلقةً بصياغة مبهمة لأن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب كان لا يزال قائمًا.
لكن الطائف غير المطبق كما اتفق عليه، يعاني اليوم من عيوب بنيوية أفضت إلى تآكله التدريجي: غياب آليات التطبيق الإلزامية للإصلاحات التي نص عليها، وارتهانه إلى توافق إقليمي تبدّل جذريًا، وعجزه عن استيعاب القوة المتنامية لحزب الله بوصفه لاعبًا يتجاوز حدود الحصة الطائفية، وتحوّله إلى غطاء شرعي للمحاصصة الفاسدة بدلاً من إطار للبناء المؤسسي.
والأخطر أن الثلاثي الذي أنتج الطائف لم يعد موجودًا بأي صيغة اليوم. سوريا خرجت من المعادلة اللبنانية كليًا. والسعودية تحوّلت أولوياتها. وأمريكا تريد تسويةً لكنها عاجزة عن فرضها عسكريًا ومنشغلة بصراعاتها الكبرى.
الراعي الإقليمي الوحيد القادر على إنتاج معادلة اليوم هو من سينتصر في المواجهة الإقليمية الشاملة. وإذا كان المشهد لا يوحي بانتصار إسرائيلي واضح في لبنان ولا بانتصار أمريكي في المنطقة، فإن المنتصر الفعلي سيفرض شروطه. وهذه المرة قد يكون الإملاء أحاديًا لا تفاوضيًا لغياب توازن القوى الداخلي الذي كان يُجبر على التسوية _ وهذا سيكون الناتج العملي لحركة التاريخ وشروطه.


عاشرًا: الثمن الذي سيدفعه لبنان لا الفريقان
في نهاية كل تحليل يجب العودة إلى الحقيقة الأكثر قسوةً وهي أن الفريقين المتواجهين يراهنان ويتحركان ويتخذان قراراتهما. لكن لبنان هو من يدفع الثمن لا الفريقان.
الفريق المنخرط في المسار الأمريكي الإسرائيلي، إن انكشف غطاؤه، سيبحث عن مخرج. وقد فعل ذلك من قبل أكثر من مرة في تاريخه. والفريق الآخر، إن انتصر إقليميًا، سيفرض شروطه بحكم موازين القوى لا بحكم التوافق. وبين هذا وذاك، اللبنانيون العاديون في كل طوائفهم ومناطقهم يدفعون ثمنًا لم يختاروه ولم يُستشاروا فيه.
والأشد مرارةً أن الشعب اللبناني الذي يلتقي في غالبيته الساحقة على رفض إسرائيل وعدائها، يجد نفسه مُجرَّرًا نحو تسوية تُصنع فوق رأسه، إما بالإملاء الإقليمي أو بتوقيع فريق لا يمثله.

خلاصة : اربعة اسئلة بلا اجبات مريحة
السؤال الأول: في غياب توازن القوى الداخلي الحقيقي هل ستُنتج الأزمة اللبنانية تسويةً أم إملاءً؟ والفارق بين الاثنين هو الفارق بين دولة تُعاد وكيان يُصفَّى.
السؤال الثاني: كيف يحمي لبنانَ فريقٌ يرهن حمايته على نوايا من لم يتوقف عن تدميره يومًا واحدًا؟ وما الذي يجعل هذه المرة مختلفةً عن كل المرات التي خذل فيها هذا الطرف من راهن عليه؟
السؤال الثالث: إذا توصلت أمريكا إلى اتفاق مع إيران أو قررت تخفيض انخراطها في المنطقة فما هي الشرعية المتبقية لمن رهن كل أوراقه على الغطاء الأمريكي؟ وكيف سيواجه اللبنانيون معادلةً قلبت كل حساباتهم؟
السؤال الرابع: هل لا يزال في الإمكان إنتاج عقد اجتماعي لبناني جديد ينبع من الداخل لا يُفرض من الخارج؟ أم أن قطارات الأحداث باتت أسرع من إرادة اللبنانيين، إن وُجدت تلك الإرادة أصلًا؟
لا إجابات مريحة على هذه الأسئلة. وربما هذا هو المؤشر الأصدق على عمق الأزمة وخطورة المرحلة.
لبنان لم يُحكم تاريخيًا قط بفريق واحد منتصر، بل حُكم دائمًا بصيغة توافقية وإن كانت مُجحفة. السؤال الوجودي اليوم هو: هل ثمة من يملك الإرادة والحكمة لإنتاج صيغة كهذه في مناخ إقليمي لا يشجع عليها، وفي ظل فريق يراهن على المدمِّر حارسًا، وفريق آخر يرى أن المنتصر لا يحتاج إلى توافق؟
الإجابات، للأسف، ليست في الأفق.