الخليج وإيران بين وهم الردع الأمريكي وعداء المصالح الجيوسياسية

الخليج وإيران بين وهم الردع الأمريكي وعداء المصالح الجيوسياسية

علي فضّـــــــــة |

منذ عقود، يرزح الخليج العربي تحت ثقل معادلة أمنية هشّة، قوامها الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة التمدد الإيراني. غير أن المشهد الراهن يكشف بجلاء أن هذه المعادلة لم تعد صالحة كما كانت، وأن الردع الأمريكي بات أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة الاستراتيجية، فيما تتشابك المصالح والتناقضات في رقعة جيوسياسية بالغة الحساسية.


أولاً: وهم الردع الأمريكي — والحرب التي كشفت الزيف
لطالما اعتقدت دول الخليج أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة — من قواعد البحرين إلى قطر والإمارات والكويت — يُشكّل سياجًا منيعًا يحول دون أي اعتداء إيراني محتمل اذا كان الحديث عن ايران . بيد أن الوقائع المتراكمة منذ عام 2019 قوّضت عمليًا هذه القناعة من أساسها.
حين تعرّضت منشآت أرامكو السعودية في أبقيق وخريص لضربات مدمّرة عام 2019، وقفت واشنطن موقف المتفرج، مكتفيةً بالإدانات اللفظية دون أي رد عسكري يُذكر. كما تعرضت مؤخرًا قطر لإعتداء اسرائيلي, ايضًا لم يُردع حتى سياسيًا, غير أن الكشف الأعمق والأكثر إيلامًا جاء مع الحرب في غزة وما أعقبها من تصعيد إقليمي وصل حدود الحرب على ايران نفسها.
قد أثبتت هذه الحرب للعيان الخليجي أن أمريكا عاجزة حتى عن حماية قواعدها العسكرية ذاتها في المنطقة من الضربات المتكررة، وهو ما أذكى نقاشًا خليجيًا جديًا وصريحًا يتساءل: “إذا كانت أمريكا عاجزة عن حماية قواعدها، فكيف ستحمينا من الخطر الإيراني؟”
بل ذهبت بعض الأصوات الخليجية أبعد من ذلك، لتصف المشهد على أنه “ابتزاز دفاعي أمريكي تمارسه واشنطن على دول الخليج”؛ إذ تستخدم ورقة التهديد الإيراني لانتزاع صفقات أسلحة ضخمة وضمان قواعد عسكرية وتبعية سياسية، في حين تظل الحماية الفعلية موضع شك. وتدعو هذه الرؤية إلى التحرر من هذه المعادلة المختلة، والبحث عن أمن مستقل يقوم على التوازنات الإقليمية لا على الوصاية الخارجية.
الردع الحقيقي لا يُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بالإرادة السياسية لاستخدامها حين يُستدعى الأمر — وهذه الإرادة أثبتت الحرب الراهنة أنها موضع تساؤل جدي.


ثانياً: إيران وبنية التمدد الإقليمي — هل هو استهداف للخليج حقًا؟
تنتهج إيران استراتيجيةً ممنهجة ترتكز على شبكة من الحلفاء اصحاب القدرة العسكرية : حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، وفصائل متعددة في سوريا. وقد دأب الخطاب الخليجي والغربي على تصوير هذه الشبكة باعتبارها أداةً لاستهداف أمن الخليج مباشرةً.
لكن ثمة قراءة مغايرة تستحق التأمل، وتُسمع اليوم بصوت متصاعد في عواصم خليجية عدة: أن جوهر الخلاف ليس مع إيران مباشرةً كما صور بعد الثورة الايرانية 1979، بل مع هؤلاء الحلفاء التي تستمد مبرر وجودها وتعبئتها من سببية محددة، وهي الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وما تمثله إسرائيل من مشروع استيطاني.
بمعنى آخر، إن هذه القوى الإقليمية لم تُبنَ أصلًا لاستهداف الخليج بشكل مباشر، بل نشأت في سياق مواجهة ما تعتبره إيران وحلفاؤها التهديد الأمريكي الإسرائيلي. وهو ما يعني — وفق هذا المنطق التي يستحق التفكير الجدي— أن انتفاء السبب أو تراجعه قد يُفضي إلى تراجع هذه القوى عن توسعها، وعودتها إلى حجمها الطبيعي بوصفها فاعلًا سياسيًا لا ذراعًا عسكرية, حيث أن وجهة النظر هذه تكون للنظر بعين الأسباب لا نتائجها.


ثالثاً: الورقة الطائفية — التكلفة المشتركة لحرب لم يكسبها أحد
لعل أشد ما أنهك المنطقة وأطال أمد اضطرابها هو توظيف البُعد المذهبي — السني الشيعي — سلاحًا في يد المتنافسين الإقليميين والقوى الخارجية على حدٍّ سواء. فقد رأى كثيرون في هذا التوظيف تحققًا لما بشّر به هنري كيسنجر من “حرب المئة عام” بين السنة والشيعة وهذا التوصيف اتى من استلهام حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتيستانت في اوروبا, ليبقى السؤال الم يحن الوقت لإتفاق كصلح وستافاليا ؟، خطة كيسينجر كانت تنطوي في ثناياها على وصفة لإدامة الاضطراب لا لحله، وعلى مصلحة واضحة لمن يبيعون السلاح ومن يرسمون خرائط النفوذ من خارج المنطقة.
والمفارقة اللافتة أن الخليج وإيران، رغم توظيفهما هذا الخطاب الطائفي في محطات عدة، هما في الوقت ذاته الأكثر تضررًا من استعاره؛ إذ يُغذّي التطرف على الطرفين، ويُضيّق هامش المناورة السياسية، ويُجنّد شعوبًا بأكملها في مواجهات لا مصلحة حقيقية لها فيها.
والأكثر دلالةً أن الاتجاه نحو الجيوسياسية الفاعلة والواقعية المصلحية كان يُرافقه دومًا انخفاض ملموس في حدة التوتر المذهبي؛ فكلما تقدمت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على الصدارة، تراجع الخطاب المذهبي إلى الهامش، وضاق الفضاء أمام من يُؤجّجونه. وهذا بالضبط ما بدا جليًا في أعقاب اتفاقية بكين 2023 بين الرياض وطهران، حيث خفت — ولو جزئيًا — لغة الاستقطاب الطائفي في الخطابين الرسميين.
الخلاصة هنا صريحة: قطع الطريق على حرب المئة عام الطائفية هو مصلحة مشتركة للخليج وإيران معًا، فيما يظل إدامة هذا الاستقطاب مصلحةً لمن تعذّر عليهم بناء نفوذ في المنطقة بغير إشعال نارها — وعلى رأسهم من يرون في تفتيت وحدتها ضمانًا لأمنهم ونفوذهم.


رابعاً: صراع النفوذ الخليجي الإيراني — وما وراءه
لا شك أن ثمة صراع نفوذ حقيقيًا بين الخليج وإيران، تُغذيه تناقضات بنيوية عميقة منها المصطنع ومنها الحقيقي:
النفوذ الإقليمي بوصفه لعبة ذات محصلة صفرية: كل مكسب إيراني في العراق أو اليمن يُحسب خسارةً خليجية وبالعكس بالقياس على ساحات التجاذب.
الملف النووي الإيراني الذي سيُفضي حتمًا إلى تحوّل جذري في ميزان القوى الإقليمي إن اكتمل.
التنافس على الحضور في الدول الهشة وملء الفراغات التي خلّفتها الحروب.
غير أن السؤال الجوهري الذي تطرحه الحرب الراهنة بإلحاح هو: هل هذا الصراع قدَر بنيوي لا مفر منه، أو هو قابل للتنظيم بحدود التنافس المتاح والمشروع, أم أنه مُغذَّى ومُدار في معظمه بفعل الوجود الأمريكي والإسرائيلي الذي يمنح إيران وحلفاءها مبررًا دائمًا للتصعيد؟
إذا صحّت هذه الفرضية، فإنها تعني أن المعادلة الأمنية الراهنة تُنتج الخطر الذي تزعم أنها تردعه، وأن الخليج يدفع فاتورةً باهظة لحضور عسكري أجنبي لا يُقدّم سوى حماية وهمية، بينما يستمر في تغذية دوامة العداء الإقليمي.


خامساً: فاتورة الحرب وتكاليف العداء
أثبتت الحرب الدائرة حاليًا بما لا يدع مجالًا للشك أن الخليج هو الأكثر تضررًا من الاضطراب الإقليمي، علمًا إنه لم يكن طرفًا مباشرًا في القتال, بل السبب المباشر هو الوجود الأمريكي الطاغي والتمادي الاسرائيلي:
اقتصاديًا: تراجع حركة التجارة في المعابر البحرية، واضطراب خطوط الشحن، وارتفاع أقساط التأمين البحري، وتهديد سمعة الخليج بوصفها وجهةً استثمارية.
سياسيًا: الضغط الشعبي الداخلي المتعاطف مع غزة في مواجهة التزامات الحكومات تجاه واشنطن.
أمنيًا: التصعيد الحوثي الذي طال الأراضي الإماراتية والسعودية مباشرةً، وهو ما يُعيد طرح السؤال عن جدوى الانجرار إلى هذه المواجهة, في ان الجميع يصرّح بأن باب الإنفتاح على التفاوض المفضية الى حلول مفتوح.
هذه الفاتورة تُقوّي حجة المنادين بإعادة رسم العلاقة مع طهران على أسس مغايرة، إذ ثبت أن العداء المفتوح هو الأكثر كلفةً على الخليج بالدرجة الأولى.


سادساً: دور القوى الدولية — الصين نموذجًا
لا يمكن قراءة المشهد الخليجي الإيراني بمعزل عن السياق الدولي، وتحديدًا التنافس الأمريكي الصيني. فقد نجحت بكين عام 2023 في إنجاز ما عجزت عنه عقود من الدبلوماسية: رعاية اتفاق إعادة العلاقات السعودية الإيرانية، وهي رسالة بالغة الدلالة مفادها أن ثمة نموذجًا بديلًا للإدارة الإقليمية لا يقوم على الاستقطاب والمواجهة.
الصين — خلافًا لأمريكا — لا تُعادي إيران، ولا تضع دول الخليج أمام خيار “إما معنا أو ضدنا”. وهذا النهج هو ما أتاح لها أن تكون وسيطًا موثوقًا، وهو نموذج يستحق الاستلهام في صياغة نظام إقليمي أكثر استقرارًا.


سابعًا: نحو جيوسياسية فاعلة — إدارة الاختلاف لا إدارة العداء
الخلاصة التي تفرضها قراءة المشهد بموضوعية هي أن الخليج وإيران يتشاركان — رغم كل التوترات — في مساحات مصلحية واسعة قد تكون أكبر مما يُعترف به علنًا:
مصالح مشتركة حقيقية موجزة:
_ الاستقرار الاقتصادي وأسواق الطاقة التي يعتمد عليها الطرفان خصوصًا تحول الخليج الى اقتصاد لا يعتمد على الطاقة فقط وبحاجة الى استقرار لجذب الاستثمارات.
_ رفض الفوضى التي أفرزتها التدخلات العسكرية الخارجية في العراق وليبيا وأفغانستان.
_ الموروث الحضاري والثقافي المشترك الذي يجمع شعوب المنطقة رغم الخطاب السياسي المتشنج.
_ المصلحة الأمنية في منع انهيار الدول وصعود الجماعات المتطرفة غير الخاضعة لأي سيطرة.
المسار الأجدى ليس الردع العسكري ولا العداء المفتوح، بل إدارة الاختلافات ضمن إطار من التوازنات الجيوسياسية؛ إذ إن الصراع الخليجي الإيراني، في حال أُبعد عن منطق الاستقطاب الأمريكي الإسرائيلي، قابل للتحول إلى تنافس سياسي مشروع تُترجمه الدبلوماسية لا الأذرع المسلحة.
الفرضية المحورية هنا أن إيران حُشرت في زاوية بُنيت فيها قوتها الإقليمية استجابةً لسببية واضحة هي الوجود الأمريكي العسكري وما تمثله إسرائيل وتجارب حرب العراق ماثلة بالعقل الجمعي المتمحور حول ان الدافع أمريكي والتمويل خليجي في حين أن الجمهورية الايرانية وقتها لم تكن قد ابدت أي منهجية استراتيجية كما هو الحال الآن. وإذا انتفت هذه السببية أو تراجعت، فإن الحلفاء الإقليمية الإيرانية يمكن أن تعود إلى حالتها الطبيعية بوصفها فاعلًا سياسيًا يخضع لحسابات المصلحة لا أداةً حربية دائمة التعبئة.

يقف الخليج اليوم أمام لحظة فارقة تستدعي إعادة النظر في الثوابت التي حكمت سياساته لعقود. فالردع الأمريكي أثبتت الحرب الراهنة هشاشته وحدوده، والعداء الإيراني الشامل أثبتت التكاليف أنه مسار غير مستدام، والوصاية الأجنبية — بكل أشكالها — أثبتت أنها تُديم الاضطراب أكثر مما تمنعه. وقد كشف خفوت التوتر الطائفي كلما تقدمت الجيوسياسية الواقعية أن الصراع المذهبي ليس حتمًا تاريخيًا، بل هو إلى حدٍّ بعيد صناعة سياسية يمكن نقضها بالسياسة ذاتها.
الرهان الأجدر بالمستقبل هو جيوسياسية الفاعلية الذاتية: أمن مُنتج بالتوازنات الإقليمية، وعلاقة مع إيران تقوم على إدارة الاختلاف لا حربه، وتحرر تدريجي من منطق الابتزاز الدفاعي نحو بناء قدرات ذاتية حقيقية. فالاستقرار الإقليمي ليس هبةً تمنحها قوى خارجية، بل معادلة يصنعها أبناء المنطقة حين يختارون مصالحهم المشتركة على عدائهم المُستورد.

هنا لا يمكننا القول أن الأمر يسير, وكذلك لا يمكننا الجزم بإستحالته ؛ ان توفرت النوايا من الممكن ان يكون حقيقية, التجارب تثبت بين الخليج وايران تؤكد هذا الأمر وإن كان تكتيكيًا وعرضة للتدخل الأمريكي في أغلب احيانه كما أن عقودًا من الصراع زعزت الثقة بين الطرفين, لكن التجارب التاريخية زاخرة بالأمثلة الناجعة.

الوضع ليس سورياليًا ولكن حركة الأمم وديمومتها تفرض الجرأة وتغليب المصالح بدلًا من معاداتها

مؤسس مركز كلمة للدراسات الجيوسياسية