
المقاومة في لبنان “من فراغ الدولة إلى الاستشراف الوجودي”
علي فضة _ مؤسس مركز كلمة للدراسات الجيوسياسية
مدخل: حين يصبح الفراغ مشروعًا
ثمة لحظات في التاريخ لا تنشأ فيها الأفكار الكبرى من رحم الرفاهية الفكرية، بل من رحم الضرورات القاسية. المقاومة — بوصفها ظاهرة إنسانية — ليست وليدة مختبر أو على طاولة المفكرين، بل وُلدت حين يجد الإنسان نفسه أمام خيار وجودي: إما أن يتكيّف مع الظلم والإلغاء القسري أو يرفضه. وبين هذين القطبين المحدِدين، نشأت كل أشكال المقاومة عبر التاريخ، من أبسطها وأكثرها يوميةً إلى أعمقها تنظيمًا وأبعدها أثرًا.
لكن الحالة اللبنانية تتجاوز هذا الإطار العام لتطرح سؤالًا من نوع مختلف: ماذا يحدث حين لا تكون المقاومة مجرد استجابة للاحتلال، بل تكون في الوقت ذاته استجابةً لفراغ مُهندَس داخل الدولة ذاتها؟ وماذا يحدث حين يتراكم الوعي الجمعي والتاريخي بطبيعة العدو حتى يتحول من ردّة فعل إلى رؤية استباقية؟ وحين تُثبت هذه المقاومة — بسلوكها لا بخطابها — أنها ليست ساعيةً إلى السلطة رغم امتلاكها الأدوات والقدرة؟ وحين يكشف التاريخ القريب والبعيد معًا أن البديل الذي يُعرض على لبنان بدلًا من مقاومته ليس سلامًا حقيقيًا بل وهمًا مُركَّبًا يُراد له أن يبدو حتمية؟
هذه الأسئلة مجتمعةً هي ما تحاول هذه المقالة مقاربته، لا بمنطق الدفاع ولا بمنطق الاتهام، بل بمنطق القراءة الأمينة للوقائع في سياقها التاريخي والبنيوي الكامل — من الشرارة الأولى حتى الراهن الذي يفضح أكثر مما يُخفي.
أولًا: الجغرافيا قبل السياسة — لبنان في قلب العاصفة
لا يمكن فهم المقاومة اللبنانية دون فهم لبنان ذاته أولًا؛ ليس لبنان الكيان الإداري الذي رسمته اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، بل لبنان الجغرافيا الحية التي تجعله بطبيعته ساحةَ تقاطع لا يمكن تجنبها. يقع لبنان على تخوم ثلاثة عوالم في آنٍ واحد: العالم العربي بتناقضاته وصراعاته، والمشرق بتاريخه الحضاري العميق وخطوط تماسه الطائفية والمذهبية، وأخيرًا الصراع المركزي في المنطقة — الصراع مع الكيان الصهيوني الذي لا يُعامل لبنان كجارٍ محايد بل كعمقٍ استراتيجي يصح ابتلاعه حين تسنح الفرصة.
هذا الموقع الجغرافي لم يكن يومًا نعمةً خالصة بل ربما لعنة حقيقية. لبنان الصغير — بمساحة لا تتجاوز ١٠٤٥٢ كيوميتر مربع وتركيبة طائفية بالغة التعقيد — وجد نفسه دومًا في ملتقى أمواج إقليمية أكبر منه، تتداخل على أرضه وتتصارع في مؤسساته وتنعكس على هوياته الداخلية المتشعبة. غير أن الطامة الكبرى لم تكن في هذا الموقع بحد ذاته، بل في أن الدولة اللبنانية — كما صُممت — لم تُبنَ لتكون قادرةً على حماية هذا الموقع، بل بُنيت على قدر من التوازن الهش الذي يجعلها قابلةً للاختراق دائمًا وعاجزةً عن التوحد حين تشتد الحاجة.
ثانيًا: الدولة المُقيَّدة — فخٌ مُهندَس لا قصورٌ عفوي
الرواية الرائجة عن الدولة اللبنانية تصفها عادةً بالضعف والتقصير والفساد، وكل هذه الأوصاف حقيقية بدرجات متفاوتة. لكن ما تغفله هذه الرواية — عن قصد أو غير قصد — هو أن جزءًا من هذا الضعف لم يكن نتيجة قصور ذاتي فحسب، بل كان مُصمَّمًا ومُراقَبًا ومُصانًا بضغط خارجي منهجي، اضافة الى انه لم يتشكل يومًا اجماع وطني يحرره من واقعه القاصر، بمعنى أوضح لم تولد اي إرادة وطنية تربيه لتوصله الى مرحلة البلوغ.
على سبيل المثل لا الحصر _ الجيش اللبناني نموذج صارخ لهذا الواقع. منذ عقود والجيش يعيش في قفص مزدوج: من الخارج، ضغط أمريكي ممنهج يربط المساعدات العسكرية بسقوف محددة للقدرات النوعية، فلا صواريخ دفاع جوي حقيقية، ولا سلاح جو قادر على المواجهة، ولا منظومات متكاملة تجعل منه جيشًا بالمعنى الكامل للكلمة. ومن الداخل، انقسام سياسي لافت بدقة توقيته — يشتعل كلما اقترب الجيش من تسليح نوعي قد يُغيّر المعادلة أو حتى يؤسس لأي توازن ردع؛ كأن ثمة خيطًا غير مرئي يربط قرارات التسليح بإشعال الأزمات الداخلية.
والنتيجة المنطقية لهذه المعادلة فخٌ محكم من ثلاثة نقاط : إذا حاول الجيش أن يتسلح خارج الغطاء الأمريكي، أُشعل الانقسام الداخلي ليعرقله ويُعيده إلى المربع الأول. وإذا تحركت المقاومة لتملأ الفراغ الدفاعي الذي أحدثه هذا التقييد، وُصفت بالدولة داخل الدولة والسلاح غير الشرعي وتهديد السيادة. وإذا لم يتحرك أحد — لا جيش ولا مقاومة — أحكمت إسرائيل قبضتها دون ثمن تدفعه. هذا ليس توصيفًا نظريًا مجردًا، بل وصفٌ لما جرى فعلًا ولما يجري. والفخ مُصمَّم بعناية لجعل كل خيار لبناني خاسرًا مسبقًا: إما تُحاصَر القوة الشرعية، وإما تُجرَّم القوة البديلة، وإما يُترك البلد مكشوفًا أمام شهية لا حدود لها ولا سقف معلن.
ثالثًا: 1982 — الشرارة التي لم تكن مفاجأة
عام 1982 محطة تأسيسية في التاريخ اللبناني والإقليمي المعاصر، لكن فهمها الحقيقي يستلزم العودة إلى ما قبلها بسنوات وعقود.
الشيعة اللبنانيون كانوا — قبل أن يُطلق عليهم أحدٌ لقب “المقاومة” — الفئة الأكثر تهميشًا في النظام الطائفي اللبناني. يسكنون الجنوب المعرض دومًا للقصف والانتهاكات الإسرائيلية المتعددة الأوجه، ويُمثلون الهامش السياسي والاقتصادي في دولة توزع ثرواتها ومناصبها ونفوذها على أساس معادلات طائفية مُرسَّخة منذ ميثاق 1943 وسلطات متعاقبة ثبتت سياسة لا عدالة اجتماعية فيها وهي ما رفعت كشعار قال عن نفسه “المركز والاطراف”. “المحرومون” — كما أطلق عليهم الإمام موسى الصدر — يحملون في وعيهم الجمعي تراكمات إقصاء طويل، ويسكنون أرضًا تكاد تكون ميدان تدريب لأسلحة لا تُميز بين مدني ومقاتل.
في مثل هذه التربة تتراكم الطاقة الكامنة بصمت وتنتظر لحظتها. وحين جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 — الذي تجاوز الجنوب الذي احتُل منذ 1978 ووصل إلى بيروت — لم يكن حدثًا خارجيًا بحتًا يصطدم بمجتمع هادئ، بل كان شرارةً أشعلت جمرًا متراكمًا. وقد تزامن ذلك مع حدثين أعادا رسم المخيال السياسي للمنطقة: الثورة الإيرانية عام 1979 التي أثبتت أن الإسلام السياسي قادر على إسقاط نظام وبناء دولة، والوجود الفلسطيني المسلّح الذي كان قد ملأ فراغًا دفاعيًا نسبيًا في الجنوب قبل أن يُزاح عن الساحة.
من تقاطع هذه العوامل الثلاثة — تهميش تاريخي متراكم، واحتلال وجودي ملموس، وفراغ دفاعي تركته الدولة المُقيَّدة — نشأت ما ستُعرَف بالمقاومة الإسلامية. لم يصنع الدعم الإيراني هذه الحاضنة الشعبية، بل وجدها جاهزة ومحتاجة، ومنحها الإطار الأيديولوجي والأدوات العملية لتحويل الغضب إلى مشروع.
رابعًا: طبيعة العدو — قراءة بنيوية لا انفعالية
ما يُميز الوعي الاستراتيجي العميق عن ردة الفعل العاطفية هو القدرة على قراءة العدو بنيويًا — أي فهم ما هو عليه في جوهره لا فقط في تصرفاته اللحظية. وهذه القراءة البنيوية لإسرائيل هي ما يُفسر كثيرًا مما يبدو غير مفهوم في منطق المقاومة اللبنانية، لذلك “الانسان عدو ما يجهل“.
إسرائيل دولة استثنائية في تاريخ الدول الحديثة من زاوية محددة وجوهرية: هي الدولة الوحيدة في العالم التي أُسِّست دون إعلان حدود دستورية واضحة ومُعترَف بها. وهذا ليس ثغرةً إجرائية في وثيقة التأسيس، بل موقف استراتيجي مقصود مفسَرًا في علمه وعمليًا كي يُبقي التمدد خيارًا مفتوحًا بلا سقف مُعلَن ولا قيد مُلزِم. حين تُضاف إلى هذه الحقيقة البنيوية قراءةٌ متأنية للخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي المتراكم عبر عقود — من إنكار الوجود الفلسطيني ابتداءً إلى إنكار الحق مرورًا بتبرير الإزالة — تتكشف ليس أحداثًا متفرقة بل نمطٌ ثابت يعكس مشروعًا ذا منطق داخلي متسق ومتواصل.
على صعيد لبنان تحديدًا، الوقائع التاريخية لا تحتاج إلى تأويل: الليطاني كحد تكتيكي ظرفي، مطمع صرّح به مؤسسو الفكر الصهيوني صراحةً منذ مطلع القرن العشرين. والاجتياح عام 1982 لم يتوقف عند ما قيل إنه هدفه المعلن في الجنوب، بل وصل إلى بيروت وأشرف على مجزرة صبرا وشاتيلا. وحرب تموز 2006 — رغم تصويرها ردًا على عملية الأسر — استهدفت البنية التحتية اللبنانية كاملةً من جسور ومصافٍ وموانئ ومحطات كهرباء، في رسالة واضحة مفادها أن لبنان ككيان هو الهدف لا حزب الله وحده.
من يقرأ هذا النمط بعين تاريخية ومنهجية لا يرى في تراكم قوة المقاومة عدوانيةً أو مغامرةً — بل يرى ردعًا استباقيًا وجوديًا. الفرق بين المنطقين جوهري وكاشف: منطق الضعيف المكشوف يقول “أنتظر حتى أُهاجَم ثم أستجيب”، أما منطق الاستشراف الوجودي فيقول “أبني قدرتي الآن لأن طبيعة هذا المشروع تعني أن الهجوم مسألة وقت لا مبدأ، وأن التوقيت يتحدد بالفرصة لا بالنية”. وما بين هذين المنطقين فارق التفكير بالحادثة المنفردة وبالكتاب كله اذا تم ادراكه.
خامسًا: معيار الاختبار — السلوك عند فائض القوة
التاريخ لا يمنح حركات المقاومة شهادات حسن سلوك مجانًا. ولا يكفي أن تُعلن حركةٌ أنها تقاوم الظلم او الاحتلال كي تكون كذلك فعلًا في كل أطوارها. المعيار الموضوعي الوحيد الذي يفصل المقاومة الحقيقية عن السلطوية المتنكرة او المشروع المخفي في زيّها وهو: كيف تتصرف هذه الحركة حين تملك القوة الكافية للسيطرة ولا يُحاسِبها أحد؟
التاريخ يزخر بنماذج الحركات التي حوّلت فائض قوتها إلى سلطة بأسرع مما يمكن رصده. المقاومة الفرنسية بعد تحرير باريس عام 1944 انتقلت سريعًا إلى تصفية المتعاملين مع فيشي ورسم خريطة جديدة للنفوذ السياسي. والثورة الإيرانية أسست دولةً شاملة لا تُشارك السلطة. وحماس سيطرت على قطاع غزة عام 2007 سيطرةً كاملة بعد عام واحد من فوزها الانتخابي. والثوار الليبيون تحولوا إلى ميليشيات متناحرة على السلطة ما إن انتهت مهمة الإطاحة بالقذافي وأمثلة أخرى كثيرة لا تنتهِ بمقالة.
المسار اللبناني يكشف نمطًا مختلفًا يستحق التأمل المتجرد الجاد. بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 — الانتصار الأكبر والأعمق أثرًا — كانت الشعبية الهائلة والزخم غير المسبوق يُتيحان استثمارًا سياسيًا فعليًا لإعادة رسم موازين الحكم. لم يحدث ذلك. وبعد انتصال عام 2006 الذي أوقف جيشًا من أكثر الجيوش تسليحًا في العالم ثلاثةً وثلاثين يومًا — كانت الشعبية الإقليمية والمحلية غير المسبوقة تُقدّم فرصةً تاريخية لمن يريد ملء الفضاء السياسي. لم يحدث ذلك أيضًا.
والأكثر دلالةً: ايار 2008. حين قررت حكومة السنيورة — بضغط خارجي موثّق — تفكيك شبكة الاتصالات المستقلة لحزب الله، كانت هذه الشبكة ليست رفاهيةً تنظيمية بل العمود الفقري للتنسيق الميداني الذي أثبت فاعليته في مواجهة أجهزة التنصت الإسرائيلية خلال حرب 2006. الرد جاء سريعًا وكاشفًا: دخول بيروت وغيرها من المناطق وانكشاف الهوة الهائلة في الميزان العسكري بين طرفين كانا يُقدَّمان كمتوازيين. لكن ما تلا ذلك لا يقل دلالةً عما سبقه: انسحابٌ فوري، وذهابٌ إلى الدوحة، وقبول بتسوية تُعيد التوازن إلى ما كان عليه تقريبًا دون استثمار الانتصار الميداني للقفز إلى الحكم.
هذا التسلسل المتكرر — قوة لا تتحول إلى سلطة، وانتصار لا يتحول إلى هيمنة — لا يُفسَّر بالمصادفة ولا بالضعف. يُفسَّر بوعي استراتيجي راسخ مفاده أن لبنان الموحّد خلف مشروع المقاومة يساوي أضعافَ ما يساويه لبنانٌ خاضعٌ لها لذا شعار “جيش،شعب، مقاومة” لم يكن شعارًا اعلاميًا للاستهلاك السياسي.
سادسًا: مسألة الداعم — حين تُوظَّف العلاقات لطمس الحقائق
السردية المعادية للمقاومة تقوم في معظمها على معادلة مُضمَرة: الدعم الإيراني يعني التبعية الإيرانية، والتبعية تُلغي الشرعية، وبالتالي المقاومة في جوهرها أداةٌ لا فاعلٌ مستقل. وهي معادلة ذكية في بساطتها لأنها تُقدّم الاستنتاج وكأنه بديهة لا تحتاج إلى برهان.
لكن التاريخ والممارسة العقدية (دعم حماس_السنية) على وجه الخصوص يفضح هذه المعادلة بمجرد تطبيقها بالتساوي على الجميع. فالجزائر التي استعانت بالدعم السوفييتي والعربي في مواجهة فرنسا لم تفقد شرعيةَ قضيتها. وفيتنام التي بنت مقاومتها على الدعم الصيني والسوفييتي كتبت ملحمةً إنسانية لا يُجادل أحدٌ في عدالتها. وأيرلندا التي استفادت من الشتات الأمريكي في نضالها ضد بريطانيا لم يقل أحدٌ إنها مجرد أداة أمريكية. والمقاومة الفرنسية ذاتها التي استقبلت السلاح والتدريب والشرعية من لندن وواشنطن تُدرَّس في مناهج العالم بوصفها نموذجًا للكرامة الوطنية.
المعيار الحقيقي للتمييز بين التبعية والتحالف لا يكمن في هوية الداعم، بل في طبيعة العلاقة ذاتها. التبعية تعني تنفيذ أجندة الآخر حتى حين تتعارض مع مصلحتك دون تأويل “المصلحة” بسطحية راهنة أو بقصور في النظر، وأن تنتهي حين ينتهي الراعي أو يتخلى عنك. أما التحالف فيعني أخذ الدعم مع الاحتفاظ بالقرار الاستراتيجي، وأن تنبثق هويتك من جذور محلية حقيقية سابقة للتحالف ومستمرة بمعزل عن استمراره. وحزب الله نشأ من بيئة الجنوب اللبناني المهمَّش والمحتل قبل أن يكتمل الدعم الإيراني وينضج — مما يجعل جذوره محليةً أصيلة حتى حين يكون تحالفه إقليميًا راسخًا.
ثمة أيضًا مفارقة كاشفة لا يجوز إغفالها: كثيرٌ ممن يصفون المقاومة بالتبعية لإيران كانوا أنفسهم في تبعية موثقة وعلنية لواشنطن والرياض وحتى لإسرائيل ذاتها، بما في ذلك تنسيق أمني وسياسي مباشر يصعب تمييزه عن التبعية بأي معيار موضوعي. والفارق الوحيد الذي يبدو أنه يُميز تبعيةً مقبولة من تبعية مرفوضة هو جهة الداعم لا طبيعة العلاقة — وهو معيارٌ سياسي بامتياز لا مبدئي.
سابعًا: سوريا — الدفاع المتقدم في مواجهة ما ليس حركة غاندي
قراءة التدخل في سوريا تستلزم أولًا التحرر من إطارين مُضلِّلين تناوبا على تشكيل المشهد: إطار من صوّر ما جرى ثورةً سلمية واجهتها آلة قمع بلا مبرر، وإطار من اختزل الأمر كله في حرب وكالة بين محاور إقليمية لا أبطال فيها ولا ضحايا. الحقيقة أعقد من الاثنين وأكثر مضاءً.
ما واجهته المقاومة على الأرض السورية — ولا سيما في معارك القصير والقلمون وريف دمشق وغيرهم — لم يكن حركةً سلميةً ولا معارضةً مدنية تطالب بالإصلاح. كانت تنظيمات مسلحة ذات أيديولوجيا إقصائية دموية أثبتت في كل موطئ قدم لها — من الرقة إلى الموصل إلى إدلب — أنها تُهدد النسيج الإنساني بأكمله قبل أن تُهدد الأنظمة أو تُنازع الحدود. تنظيمات ترى في الآخر المختلف — مذهبًا أو دينًا أو ثقافةً — هدفًا مشروعًا للإزالة لا طرفًا في نزاع سياسي أو مطلبي.
وحين تُدرَك وحدة الجغرافيا اللبنانية-السورية التي رسمها التاريخ قبل أن يقطعها مبضع سايكس-بيكو، يكتسب التدخل منطقه الكامل كدفاع متقدم لا كورطة في شأن آخر. ما يترسخ في القلمون لا يبقى في القلمون، وما يستوطن الجرود السورية يجد طريقه حتمًا إلى الجرود اللبنانية — وهو ما أثبتته لاحقًا معركة فجر الجرود ذاتها التي كشفت حجم الخطر الذي كان يتمركز على تلك الأرض المتصلة. الحدود على الخريطة لا تصنع جدارًا أمام فكرة تريد التمدد ولا أمام سلاح يبحث عن منفذ.
ما يصح طرحه بجدية — وما يستحق النقاش الداخلي المشروع — ليس سؤال الشرعية الأخلاقية للمواجهة مع هذا النوع من التنظيمات، بل سؤال حدود التدخل وتوقيته وما إذا كانت بعض تفاصيله قد امتدت إلى ما هو أبعد من منطق الضرورة الاستراتيجية الصارمة. وهذا نقاش داخلي مشروع تمامًا — لكنه يختلف اختلافًا جوهريًا عن الحكم المُجمَل الذي يُسقط المشروع كله استنادًا إلى معادلة أخلاقية مبتورة السياق.
ثامنًا: فجر الجرود — حين تتكامل المعادلة على أرض الواقع
في صيف عام 2017 خاض الجيش اللبناني وحزب الله معًا عمليةً عسكريةً متوازية لتطهير جرود عرسال من تنظيمَي داعش وجبهة النصرة. المعركة وُصفت بأشكال متعددة وأُدرجت في سياقات متباينة، لكن قيمتها الحقيقية تكمن فيما كشفته ليتبين أنه أعمق مما قيل عنها.
للمرة النادرة في تاريخ لبنان الحديث وقفت مؤسسة الجيش الرسمية وحزب الله على أرض واحدة، في وجه عدو واحد، بتنسيق ميداني فعلي لا خطابي — جعل من المعادلة الثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” حقيقةً ملموسة لا شعارًا يُرفع في المناسبات. وفي تلك اللحظة النادرة تجاوز التكامل العملي الانقسام الطائفي المزمن الذي طالما استُخدم لتفتيت أي إمكانية للعمل الوطني الموحَّد.
دلالة هذا التكامل تتجاوز ما أنجزه عسكريًا — وهو إغلاق البوابة الشرقية أمام تمدد الإرهاب إلى لبنان — لتطرح سؤالًا مشروعًا وصعبًا في آن واحد: إذا أثبت الميدان أن هذا التنسيق ممكنٌ وفاعلٌ وقادرٌ على حماية لبنان من تهديدات وجودية حقيقية، فلماذا لا يُبنى مؤسساتيًا في إطار استراتيجية دفاع وطنية شاملة تُنهي ازدواجية السلاح كذريعة هجومية على منطق التكامل وتُحوّل القوة المتراكمة إلى ثروة دفاعية للدولة لا معضلةً لها؟ الجواب المقنع والمؤلم في الوقت ذاته هو أن ثمة أطرافًا داخلية وخارجية تُدرك تمامًا أن لبنانًا موحَّد الإرادة الدفاعية سيُغير معادلة المنطقة — وهو تغيير لا يُريده كثيرون ممن يتشدقون بالسيادة اللبنانية في خطاباتهم العلنية، هذه الحقيقة الساطع لا يغطيها غربال.
تاسعًا: وهم التطبيع — حين يفضح التاريخ ما يُزيّنه الحاضر
كل ما سبق من فصول — الفخ المُهندَس، والشرارة التأسيسية، والوعي البنيوي بطبيعة العدو، والسلوك عند فائض القوة — يقود حتمًا إلى سؤال لم يُطرح بوضوح كافٍ في النقاشات اللبنانية: ما الذي كان يعنيه التطبيع مع إسرائيل فعلًا، ولمن كان يخدم، وما الذي كشفه رفضه الشعبي في لحظة تاريخية فارقة؟
في 17 أيار 1983 — وبينما كانت القوات الإسرائيلية لا تزال تحتل أجزاءً واسعة من لبنان بما فيها الجزء الغربي من بيروت — وقّعت حكومة أمين الجميل اتفاقيةً مع إسرائيل أُريد لها أن تكون معاهدة سلام. لكن ما سُمّي سلامًا لم يكن في جوهره سوى اعترافٍ رسمي بالأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال، وتطبيعٍ مع الكيان الذي دمّر الجنوب واجتاح العاصمة وأشرف على مجزرة صبرا وشاتيلا بعد أشهر قليلة وعمل بدأب على تأجيج الصراعات الدموية الداخلية. اتفاقيةٌ وُلدت ناقصةً لأنها لم تُحرَّر بإرادة حرة، بل انتُزعت في ظل احتلال لم يُخفِ يومًا أن الاتفاقية هي أحد أهداف اجتياحه.
لكن اللافت في هذه الحادثة ليس توقيع الاتفاقية، بل ما جرى بعدها. في 6 شباط 1984، قبل أن يُصادق البرلمان اللبناني على الاتفاقية، اندلعت انتفاضة شعبية أسقطتها. لم تسقطها قرارٌ حكومي ولا ضغطٌ دبلوماسي ولا حسابٌ سياسي بارد — بل أسقطتها إرادةٌ شعبية رأت فيها ما لم تستطع السلطة أن تقوله: أن ما يُعرَض بوصفه سلامًا ليس سوى استسلام مُؤطَّر، وأن من يوقّع مع محتل لا يزال على أرضه لا يُبرم معاهدة بل يُثبّت هزيمة.
هذه اللحظة التاريخية ليست مجرد حدث منفرد في سجل لبنان السياسي — بل هي مفتاح لفهم شيء أعمق: الوعي الشعبي اللبناني، في لحظاته الصافية، يُدرك الفرق بين السلام الحقيقي إن وجد والتطبيع المُقنَّع. ويُدرك أن التطبيع مع كيان لا يزال يحتل أرضك ويرفض الاعتراف بحدوده لا يمنحك أمانًا — بل يمنحه شرعيةً على حسابك.
أربعة عقود مضت على تلك اللحظة، والمشهد اليوم يُضيف إليها طبقةً لم تكن متاحةً حينها. نتنياهو — رئيس حكومة إسرائيل الذي يُقدِّم بعضُهم التطبيعَ معه مسارًا للاستقرار الإقليمي — بات اليوم متهمًا رسميًا بجرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية. ليست هذه اتهامات تصدر عن أعداء أيديولوجيين أو خصوم إقليميين، بل وثّقتها كاميرات المراسلين وهواتف المدنيين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية وصوّت عليها قضاة من دول كانت حتى أمس من أشد المؤيدين لإسرائيل. بريطانيا التي كانت ترى في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا لا تُناقَش سياساته، وكندا التي ربطت دعمها بها بمبدأ ثابت، وهولندا وبلجيكا وسواهما من الدول التي كانت توفر الغطاء السياسي والدعم العسكري — باتت اليوم أمام معادلة مختلفة جذريًا حين وجدت صور المجازر لا تحتمل التأويل وعبءًا صارخًا على المنظومة الاخلاقية العالمية بشقيها الشعبي والرسمي، حيث تخطت بأهوالها المصالح السياسية والوظيفية للعلاقة.
وهنا تبلغ فكرة “وهم التطبيع” أقصى دلالاتها. إذا كان التطبيع مع إسرائيل وهمًا استراتيجيًا في 1983 — حين كانت الدولة تتمتع بشيء من الغطاء الدولي وتُقدّم نفسها ديمقراطيةً تُحاوَر — فهو اليوم وهمٌ مضاعف من طبقتين متراكمتين: وهمٌ استراتيجي لأن الكيان الذي لا حدود دستورية له لن يُشبع شهيته أيًّا كانت التنازلات، ووهمٌ أخلاقي لأن التطبيع مع متهم بجرائم حرب وثّقتها الكاميرات ليس دبلوماسيةً براغماتية بل مشاركةً في الإفلات من العدالة وتبييض لصوّر الارهاب الصرف بأوج تجلياته.
المقاومة اللبنانية — التي قرأت طبيعة هذا الكيان بنيويًا منذ نشأتها — لم تكن تحتاج إلى محكمة دولية لتعرف ما باتت تعرفه اليوم دول كانت تُصفّق للضربات الإسرائيلية. كانت تعرفه من الجنوب المحترق، ومن معتقل الخيام، ومن الليطاني الذي صرّح العتاة الأوائل بأنه حدهم الظرفي. وما تفعله المحكمة الجنائية الدولية اليوم والمحاكم الشعبية العالمية وما تُقرّه الكاميرات المنتشرة في كل مكان هو ببساطة أن يلتحق العالم بما كان يعرفه من لم يُخيَّر يومًا في أن يكون ضحيةً أو شاهدًا.
خاتمة: الوعي الذي لا تُسقطه السردية
في نهاية هذا المسار الطويل من القراءة تبرز حقيقة واحدة تقاوم كل محاولات الاختزال: المقاومة في لبنان ظاهرةٌ لا تنتمي إلى عالم الأبيض والأسود، ولا تُقرأ بمنطق الحكم المبسّط — لا بالتقديس ولا بالإدانة المُطلقة.
هي ظاهرة نشأت من شروط موضوعية مرجعية كانت ام وليدة ألم حقيقي لا يُجادِل فيها منصف: احتلالٌ موثّق وممتد وفاضح، ودولةٌ مُقيَّدة عن أداء دورها الدفاعي بضغط خارجي ممنهج لامقاومة تذكر له، وتهميشٌ تاريخي متراكم لم يُترك له منفذٌ بالطرق المألوفة. وحين نشأت اتخذت قراراتٍ — مرةً بعد مرة وفي لحظات مواتية — تُثبت أن وعيها الاستراتيجي بالتركيبة اللبنانية الهشة جعلها تمتنع عن السلطة حين كانت قادرةً عليها، وتختار الترابط الوطني حين كان الانقلاب أيسر وأقل كلفةً.
السردية المعادية التي تختزلها في “الذراع الإيرانية” تسقط أمام الوقائع التي رصدناها طوال هذه الفصول وان كانت كما يصف المدعون فهي أم الحاجات لا غاية المحتاجين دون حصرهم. ووهم التطبيع الذي يُقدَّم بديلًا عنها يسقط أمام التاريخ مرتين: مرةً في 6 شباط 1984 حين رفضه الشعب قبل أن يُصادق عليه البرلمان، ومرةً في كل صورة وكل تقرير وكل قرار قضائي دولي يكشف ما كان ينبغي ألا يحتاج إلى كشف.
ما يبقى في نهاية المطاف — وما لا تستطيع أيٌّ من السرديات المتعارضة إسقاطه — هو أن الوعي التاريخي الحقيقي بطبيعة التهديد وبجغرافيا الصراع وبهشاشة الكيان اللبناني هو ما صنع هذه الظاهرة وأبقاها حيّةً رغم كل ما تعرضت له. ومن لا يقرأ هذا الوعي بجدية — بدلًا من الاكتفاء بتصنيفات جاهزة تُريح صاحبها ولا تُضيء الواقع — يخسر المفتاح الوحيد لفهم ما جرى وما يجري وسيجري. وأما العالم الذي بات يلتحق اليوم بما كان الجنوب اللبناني يعرفه منذ عقود، فليس أمامه سوى أن يُقرّ بأن من قاوم مبكرًا لم يكن متطرفًا — بل كان ببساطة أكثر إدراكًا ممن جاء متأخرًا ليرى ما لم يُرَد له أن يُرى.
عام 2000 لبنان بفعل المقاومة رغم صغره وهشاشة تركيبته لا أنه الوحيد اذي انتج نموذجًا فريدًا في انسحاب عدو محتل دون قيد او شرط، دون معاهدات ولا اتفاقيات دون ادنى تنازل سياسي … هذا لم يحدث لا بالخطابات ولا بالقرارات الدولية _ بل حدث لأن جماعة ما قررت ان تبني نقاط قوة متراكمة مصوبة الى يومنا بوعي تاريخي وصبر استراتيجي.